شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
كلمة المحتفى به الأستاذ حسن عبد الله القرشي
ثم تحدث المحتفى به الأستاذ حسن قرشي فقال:
- الإِخوة الأكارم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يعجزني شكركم على تفضلكم بالحضور في هذه الأمسية المحببة من الأمسيات التي يعجزني بالتالي شكر الصديق النابه النابغ الأديب وابن الأديب الأستاذ عبد المقصود خوجه على تنظيمها لتجيء في صورة الاحتفاء الأسبوعي بأديب من أدباء هذا الوطن الغالي أو من أدباء العروبة، يجتمع إليه أساتذته وصحبه وصفوة من أدباء وجامعيّي بلده، وأكاديميّيه، ومن نجوم الصحافة والرائي والإِذاعة، وعلية أبناء البلد في اجتماع عائلي للأدب والفكر وعشاقهما، وتلك خلة يذكر بها مجلسه ومجلس رصيفة الطُّلَعة الأستاذ الصديق محمد سعيد طيب ومجلس صديق الجميع الأستاذ عبد العزيز الرفاعي بمجالس شخصيات أدبية لامعة في تاريخنا الأدبي. كانت مُثُلاً عُلْيا في العناية بالأدب وتكريم الأديب في أزمنة بعيدة وقريبة معاً. إذن فعجزي عن الشكر كبير ولكنني لا أطيل الحديث لأدخل في موضوع تجربتي الشعرية التي لا يكاد أن يكون فيها كبير فرق في تجارب بيننا؛ بين أديب وأديب.
- لقد فتَّحتُ عيني على عالم الشعر، هذا العالم السحريّ في شوق فارط، ونشوة مبْهورة... أريد أن أتكَّلَم في المهد، أريد أن أقدِّم إنتاجاً ناضجاً مشحوناً بالحيوية والدَّفْق، ولقَطَات الفن المبتكرة... أريد أن أكون الشاعر الذي يُشار إليه بالبنان.
- كنت ذلك الطِّفل المنطوي على نفسه، تغيم في عينيه الرؤى وتغمُض، ثم تتبلَّج وتتضح...
- ذلك الطفل الذي يَسْدُر بصره في المجهول، ويتعلق فكره بالذُّرى، ويتيه خياله في أودية الغربة، ثم يعود إلى واقعه فيشعر بالأبعاد الشاسعة المترامية بين مسيرة الخيال وبين ظل الحقيقة.
- كانت تجربتي - في مخاضها وولادتها - محدودة ولكن ثروتي من التصوُّرات كانت كبيرة ولم يكن زادي اللغوي قليلاً - مع سنّي الصغيرة يومها - فلقد حفظت القرآن الكريم وأنا دون العاشرة، وكانت أذني السمَّاعة وذاكرتي اللاقطة تساعدانني على حفظ الكثير من أبيات الشعر من قصائد كان الوالد - رحمه الله - يردِّدها وكان راوية فذّاً للشعر، وقارضاً مقلاًّ له.
- ولقد كان حفيّاً بي يودُّ أن يراني، وقد أوفيت على الغاية واستوليت على الأمد، فنلت مكانة باهرة في المجتمع فهو لم ينجب سواي من الذكور.
ودخلت المدرسة - بعد فترة قصيرة في كتَّاب-.
- ثم توفي الوالد وهو في ريعان شبابه وأنا في سنٍّ باكرة ويَفاع، ولقد كانت وفاته صدمة عميقة لي.
ورثيته بقصيدة تحدُّها تجربتي أذكر منها:
كؤوسُ المنايا علينـا تـدورْ
وتُزجي بنا في مهاوي القبورْ
تولَّى نبيل السجايا وخلَّـف
جرحاً بأعماق روحي كبـير
لمن تترك القلب؟ للحادثات؟
لدنيا تعـجُّ بكـل الشـرور
حنانيك، لا تنـأَ لم يبـقَ فيَّ
ذَماءٌ، فقد عاد قلبي ضـرير
- وتنفَّس الحبّ في صدري باكراً - الحب الأفلاطوني الصغير - كان حب ابنة الجيران، وكانت فتاة أكبر مني سناً وعلى جانب كبير من الجمال... كانت أسرتها تسكن - بالإِيجار - جانباً من دارنا الكبيرة الموقوفة على والدتي... وبادلتني الفتاة هذا الحب إلاَّ أنه لم يعمر طويلاً فقد اختصر عمره زواج الفتاة.
- وتألمت كثيراً ولكنني سرعان ما شغفت بحب نظيرٍ له جديد...
- وتتابعت عندي ألوان من الحب الذي أفادني فنياً... وكان بداية لتدرُّج العاطفة وشبوبها عندي.
- ثم قرأت جمهرة القصص الشعبية المعروفة ولا شك أن فيها زاداً خصباً يذكّي خيال المرء ويدفعه إلى القراءة ويوري تطلعاته إلى دنيا الفن.
- وعُنيت بأن تكون لي مكتبة خاصة بي فكنت أدخر مصروفي البسيط لأشتري به الكتاب تلو الكتاب.
- وذات مرَّة وأنا في الابتدائية رأيت في يد أحد أساتذة اللغة العربية كتاباً ضخماً اسمه (البيان والتبيين) للجاحظ... وكان يفتحه على أبيات لعنترة العبسيّ من معلقته، وقرأت الأبيات اختلاساً، ثم رجوت الأستاذ أن يمليني إياها فاعتذر بأنها معقَّدة المعنى وصعبة على مداركي.- وبعد أيام كنت أشتري هذا الكتاب الضخم من إحدى المكتبات، وكان ثمنه ثلاثة ريالات، وهو مبلغ كبير يشلُّ موازنتي الشهرية من النقود.
- وأعترف بأنني كدت أغرق في بحر (أبي بحر الجاحظ) ثم احتجت بعدها إلى بعض النقود فعدت إلى المكتبة لأرد إليها الكتاب ناقصاً الثمن مقابل أن أشتري منها سواه؛ ورآني في المكتبة أحد الأدباء المعروفين عندنا أقوم بهذه المحاولة فنصحني بألَّا أفعل، وألَّا أرد أو أبيع أي كتاب اقتنيتُه مهما تكن الظروف.
- لقد كانت نصيحة هذا الأديب من خير ما أفادني في حياتي الثقافية، وكانت من الأسباب التي دعمت فكرة المكتبة الخاصة، ولعلها كانت الأساس الآن في أن تكون لدي مكتبة تضم آلاف الكتب المتباينة وتحفل بشتى الموسوعات.
- ثم من يدري فلعل عقدة رفض الأستاذ إملائي أبياتاً من قصيدة (عنترة) السبب الذي جعلني أتابع أشعاره وأخباره في احتفالٍ، ثم يمر بي الزمن - بعد نضوجي - فأدرس شخصيته لأقدم عنها دراسة منهجية مفصلة تنشرها - في سلسلةٍ أدبية - إحدى دور النشر المعروفة في العالم العربي هي دار المعارف بمصر.
- ولقد كتبت المقطوعة ثم القصيدة فإذا بزملائي وأساتذتي يرون في كلتيهما ما يستحق الإِعجاب، بل لقد ظنَّ بعضهم أن هناك من يساعدني في ذلك، وكان هذا غير صحيح ولا وارد على الإِطلاق.
- وأذكر من شعر هذه الحقبة قصيدة أسميتها "ترنيمة قلب":
رقرقي لي الحبَّ أنفاساً مـن الثغر النضيرِ
تسكب النشوة والفرحة في قلبي الكسير
وتزفُّ الحُلُم الغارب دنيـاً من شـعور
هي لحن قدسـيّ النبـْر ثـرٌّ بالحبـور
كم بها استشرفت آمالي وآفاق ضميري
وتطـلَّعت إلى الآتي دفيقـاً بـالعـبير
زاخراً بالسحر والفتنة والوجـد الكبير
يا فتاتي ظمئ الحبّ، ألا قبسـة نـور!
***
يا لَعَينيَّ وقلـبي مـن أفانـين الجمـالِ
فجرها الدفَّاق كم شعَّ بروحي وخيـالي
أتهـاداه بخـدٍّ، وبثغــرٍ متــلالي
وبجيدٍ راعش اللفتـة عربيـد الـدلال
وبنهدٍ صيغ من عاج وورد جـدّ حالي
وقوام شائق الخطـرة سـحريّ المثـال
يا لعينيَّ، وما تعشق مـن فـذ وغالي!
***
صُوَرٌ فتَّانة؟ أم تلك دنيـاك الحفيلـه؟
أم معانٍ من ذرى الفن نـمت تشدو نبيله
هي ريِّي كم أسا شوقي وكم روَّى غليله
وأمـانيَّ تـراءت، عبقريـاتٍ جميلـه
وَمَراءٍ تبعث الماضـيَ رفـافَ الخميلـه
يا حياتي هاجني حبِّي أَتأبَيـْن وصولَـه؟
أنا أهوى شَعرك الغضَّ وأشتاق سدولَـه
والجنى المذخور في تلك السماتِ المستميله
وفي البدء قرأت الكثير من كتب تاريخ الأدب العربي، واقتنيت كتاب مهذب الأغاني للخضري، وتوفرت على قراءته زمناً طويلاً، ثم اقتنيت كتاب الأغاني نفسه، وكتاب الكامل للمبرد، وجمهرة دواوين الشعر العربي القديم، ودواوين الشعر المعاصر، وحفظت من ذلك جانباً لا يستهان به.
- وأحسب أن مكتبتي حالياً - ولا أقصد المبالغة - لا ينقصها أي ديوان شعر قديم أم حديث.
- وفي موضوع حفظ الشعر وتدبُّر معانيه كانت نصيحة خلَفٍ الأحمر - فيما أذكر - لأبي نواس ألاَّ يقول شعراً قبل أن يحفظ ألفاً من قصائد الشعر الجاهلي، ثم نصيحته له بأن يحاول نسيانها - بعد ذلك - من الحوافز لي على حفظ الشعر.
- لقد حفظتُ الكثير من شعر شعراءِ المعلقات المعروفين، ثم كثيراً من قصائد الشعراء العرب في عصريْه الأموي والعباسي كعمَر بن أبي ربيعة، والأحوص، والعرجيّ وعبد الله بن قيس الرُّقَيَّات، والفرزدق، والأخطل، وجرير، ودعبل الخزاعي، ثم من قصائد أبي تمام، وابن الرومي، وأبي العلاء المعرِّي والأحنف بن قيس، وأشجع السلمي، وأبي نواس.
- وأعجبت بالموسيقى الشعرية التي تترقرق في شعر البحتريِّ... فهذا الشاعر هو حقاً من أساتذة الموسيقى الشعرية، وأحد روادها!
- فقد لا يكون هناك محتوى في بعض قصائده أو أبياته ولكن قوة تأثير موسيقاه تجذبك إلى قراءته وتحبِّبها إليك.
- فليس هنالك مثلاً مضمون شعريّ عميق في بيته الذي يقول فيه:
وحسناءَ لم تُحسن صنيعاً وربَّما
حننتُ إلــى حسنـاءَ ساء صنيعُهـا
- أو في بيتيه:
ذاك وادي الأراكِ فاحبس قليلاً
مُقصـراً في ملامـة أم مطيـلا
لم يكـن يومُنا طويـلاً بنَعمـا
ن ولكن كان البكـاءُ طويـلاً
- أو في بيته:
وِقفـةً بالعقيق نطـرح ثقـلاً
مـن همـوم بوقفـة في العقيق
- ولكن شحَنات الموسيقى المتوهِّجة تشدُّك إليه شدّاً وتبلغ به من نفسك أبعد أعماق الإِثارة.
- وتركَّز إعجابي في الشاعر الخالد أبي الطيب المتنبي وحفظت معظم ديوانه، وأعجبت بشعر تلميذه المخلص لمدرسته (الشريف الرضيّ)، ولديَّ دراسة - لم تطبع بعد - عنه.
- وقرأت بعد ذلك لشعراء العصور المتأخرة كالأبيوردي وسبط بن التعاويذي، والصوفيِّين منهم على الأخص كعمر بن الوردي وعُمر بن الفارض والبوصيري.
- لقد أُطلِق على شعر هذه الأزمنة المتأخرة - في مجموعه - شعر عصور الانحطاط، ولكنني أعتقد أن كثيراً من نماذجه حافلة بالعطاء الشعري، وجديرة بدراسة الدارسين.
- ولا يغلُّ أدبنا شيء مثل التعميم في الأحكام النقدية وإرسال القول فيها على علاَّته.
- وتابعت بعد ذلك قراءاتي الشعرية لمدارس عصر النهضة الحديثة فقرأت البارودي، وصبري، ثم حافظ، وشوقي، ومطران ويكن، ومحرم، والأخطل الصغير، والياس أبو شبكة، وعمر أبو ريشة، والرُّصافي، والجواهري.
- وقرأت شعراء المهجر أمثال المفردة إيليَّا أبي ماضي وجبران خليل جبران، والشاعر القروي، وفوزي المعلوف، وميخائيل نعيمة.
- كما قرأت العقاد، والمازني، وأعجبني الأول فيلسوفاً والثاني شاعراً؛ ولكنني شعرت بهزّة فرح بالغة وأنا أدرس منهجهما النقدي في كتابهما المشترك (الديوان).
- وكانت مجلة "الرسالة" التي يصدرها الأستاذ أحمد حسن الزيات، وتمثِّل مدرسة حقيقية من مدارس الأدب والفكر من روافد ثقافتي، وكان اتصالي بها في أواسط عمرها، ثم توفرت لي قراءة ما فاتني من مجموعاتها.
- ولقد عرفت بعد ذلك الزيات معرفة صداقة ونشرت الكثير من شعري في مجلته.
- وقرأت علي محمود طه، وأحمد رامي، وإبراهيم ناجي؛ وانعقدت بيني وبين الأخيرين أواصر صداقة، وكنت أعجب بحضور ناجي الشعري وبديهته المستوفزة في كل آن، فقد أملى مرة أمامي قصيدة كاملة من وحي الساعة على الصديق الأستاذ سامي الكيالي لمجلته "الحديث"- الحلبيَّة.
- وأعجبت بالصديق الشاعر محمود حسن إسماعيل الذي ما زال متابعاً مسيرته الشعريَّة.
- كما أعجبني شاعر تونس "أبو القاسم الشابِّي" وألَّفتُ عنه كتاباً هو قيد الصدور.
- أما نشر إنتاجي فقد بدأ في بعض صحفنا ومجلاتنا كصحيفة "البلاد"، ومجلة "المنهل"؛ ونال هذا الإِنتاج استحساناً وإعجاباً.
- وحين تجمَّعت لديّ قصائد كثيرة رأى أصدقائي الأدباء أن الوقت قد حان لنشر ديواني الأول.
- ونشرت "البسمات الملونة" مطبوعاً في القاهرة واحتفى به القراء والأدباء وحيَّته بعض الصحف المصرية.
وكنت قد التحقت بسلك الوظائف الحكومية في وزارة المالية.
- ثم حينما أنشئت الإِذاعة السعودية التحقت بها كبيراً للمذيعين ونُدبت إلى مصر لمدَّة عام قضيته في الإِلمام بأصول الفن الإِذاعي في فروعه المختلفة، ثم عدت للعمل في وزارة المالية.
- ولقد اتصلت بي الأسباب بكبار الكتاب والأدباء العرب وعقدت صداقات مع بعضهم.
- وتفتحت لي آفاق النشر على نطاق عربي واسع، فنشرت شعري في كبريات الصحف المصرية أمثال المقتطف، والرسالة، والثقافة، والهلال، والعالم العربي، والصباح؛ ثم بعد ذلك في المجلات اللبنانية كالأديب والآداب، والأردنية كالفكر الجديد والسورية كالحديث، والتونسية كمجلة الفكر، والأقلام العراقية.
- ونشرت ديواني الثاني وهو "مواكب الذكريات" بدار الرسالة في مصر، ثم ديواني الثالث "الأمس الضائع" في دار المعارف بمصر، ثم سبعة دواوين أخرى في لبنان هي على التوالي "سوزان" و "أَلحان منتحرة" و "نداء الدماء" و "النغم الأزرق" و "بحيرة العطش" و "لن يضيع الغد" و "فلسطين وكبرياء الجرح".
- ولا شك أن من مكونات ثقافتي بدْءاً عدا كتب الأدب العربي القديمة كتب المنفلوطي والزيات، ثم العقاد والرافعي على اختلاف مدرستيهما وتناقض فكريهما؛ وقد تابعت الصراع المحتدم بين أنصار هذا وذاك وبين سيد قطب مناصراً العقاد وسعيد العريان مناصراً الرافعي.
- ولقد كان الرجلان بلا جدال مدرستين مختلفتي الاتجاه وهامتين في أدبنا المعاصر.
- وقرأت "طه حسين" وسحرني أسلوبه - ناقداً وباحثاً وملخِّصاً - ثم عرفته شخصياً وكتب لي - فيما بعد - مقدمة ديواني الثالث "الأمس الضائع".
- كما قرأت خلاصة من بعض ما ترجم من روائع الأدب الغربي لأوسكار وايلد وتوماس هاردي وبيرنارد شو وإليوت وسانت بيف وفيرلين ورامبو وبودلير وفيكتور هوجو ولامرتين وجيته وجان جاك روسو وكامي وسارتر وتولستوي ودوستويفسكي وجوركي وإقبال وطاغور والفردوسي والخيام وغيرهم على اختلاف عصورهم ومناحي اتجاهاتهم وعناصر عطائهم من فلسفة وقصص وشعر ونقد.
- ولقد تدانت لي بذلك آفاق من المعرفة الإنسانية لا أنكر مدى تأثيرها في تعميق تجاربي، وتفتح نظرتي للحياة.
- وبالرغم من أنني بدأت أسلوبي الشعري بكتابة الشعر على منوال الشعر العمودي بل لقد كان بعض قصائدي الأولى - وفي مسابقة شعرية عن المحارب - أن ترصَّدت القافية الجيمية على صعوبتها في البحر الطويل وكان مما كتبت:
مَن النَّجْدُ يغشاه الشواظ الموهجُ؟
يظــلّ علـى آثـــاره يتمعـَّجُ (1)
تراءى له الآمــال صــرعى هوالعاً
ويجلى لـه طيـف الردى وهو مُدلدجُ
* * *
حنانيـك (جُنديَّ القتال) فقـد بغـى
عليـك بــه فـذَّ العـلوم المتـوَّجُ
- هذا الأسلوب المغرق في كلاسيكيته الذي أقللتُ منه في إنتاجي إلى حد النّدرة ورفضت القافية الصعبة، بالرغم من ذلك فقد كتبت فيما بعد الشعر الحرَّ في نماذج أخالها مقبولة.
- ذلك أنني أستنكر التعصب للشكل في الشعر.
- ولم يكن اتصالي بحركة الشعر الحرّ غريباً عليَّ أو متعارضاً شكلاً مع اتجاهاتي، فقد تخليت كما قلت عن القافية ذات الجرس والرنين، وفي كثير من قصائدي الأولى اتجاه إلى تنويع القافية في القصيدة الواحدة، ثم اتجاه عفويٌّ إلى الاستطراد الشعري غير الملتزم بتحكم القافية وإلى الانتقال في القصيدة الواحدة من بحر إلى بحر أحياناً ما دام أن الموسيقى الشعرية تظلُّ متماسكة ولا تتأبى على هذا الانتقال.
- وأورد نموذجاً لذلك من ديواني "البسمات الملونة" بعنوان:" غرَّد الفجر فهيا":
غرد الفجـر فهيَّـا يـا حبيـبي
واستهام النور في روضي الرطيب
 
قبلات الـزهر سـحر مستطـير
ونسـيم الورد نـجوى وعـبير
والدُّنى حـبٌّ تناهـى وشعـور
 
فـإلام الصـدّ؟
عن رغيب الود؟
والجفا والبعد؟
 
وفؤاد الصبّ يشـدو كالغـريب:
غـرد الفجـر فهيـا يـا حـبيبي
- ونموذجاً آخر من ذات الديوان بعنوان "وردتي":
يا ربيع الكون والأحـلام تحبـو فـي ضميرك
قبسةً مـن فجرك الهادي وعطراً مــن عبيرك
 
هذه الـوردة نشـوى
إنـهـا بنـْت الربيـع
غمـرت بالسحر أفـوا
فاً مــن الزهــر البديـع
عجبـاً يـا وردتـي لا
يطَّبيني (2) غير حسنك
أنــا أهــواك ولكــن
أنـــا أهــواك لفـنـك
- أجل فبعد استقرائي نماذج الشعر الحرّ ومناهجه مارست كتابة جانب كبير من تجاربي الشعريَّة بأسلوبه ونشرت الكثير من ذلك في صحفنا المحلية، ثم في مجلتي "الآداب" اللبنانية و "الأسبوع العربي" وغيرهما.
- واعتقادي أن الممتاز من الشعر الحرّ لون سيقدر له البقاء لأنه أقدر - في أغلب الأحيان - على الرمز من بعض الشعر العمودي، وهذا لا يعني أنه اللون المفضل عندي فكلا اللونين أثير على نفسي محبب إليها.
- ولقد أعجبتُ على سبيل المثال - ببعض النماذج لرواد حركة الشعر الحرّ كالسيّاب والأصدقاء: البياتي، ونازك الملائكة، وبلند الحيدري، وصلاح عبد الصبور، وفدوى طوقان، ومحمد الفيتوري، ونزار قباني.
- وبالمناسبة فإنني أرفض تسمية الشعر الحرّ بالشعر الحديث فإن الجِدَّة لم تتخلَّ - ولن تتخلى - عن الشعر العمودي وواقع الشعر العربي المعاصر يؤكد ذلك.
- وما أصدق شوقي حينما قال:
الشعرُ صنفانِ فبـاقٍ على
قائله أو ذاهبٌ يـومِ قيـلْ
ما فيه عصـريٌّ ولا دارسٌ
الدهر عمرٌ للقريضِ الأصيلْ
- والذي يضر في اعتقادي بقضية الشعر الحرّ ويحدُّ من عناصر رسوخها وتثبيت جذورها هو أن كثيراً ممن يكتبونه يجدونه مَعبَراً سهلاً لرصد خطراتهم الشعرية مبتعدين عن مناهجه وأشكاله الصحيحة، وبعضهم - وهذا مؤسف حقاً - ضعيف اللغة هزيل التعبير إلى حد الفقر والخواء، فتأتي بالتالي نماذجهم الشعرية غاية في الركاكة، والابتذال، والضحولة، والإِصفاء.
- ولعل السبب في إثراء الشعر الحرّ وتعميق حركته هو أن رواده قد كتبوا أصلاً الشعر في شكله العمودي، كما أن رصيدهم من العبارة الشعرية أصيل وموفور، ولذلك جاءت قصائدهم خير نماذج هذا الشعر، وأقواها، وأحفلها بالتجربة الصادقة، والصورة الموحية.
- ولقد كتبت الشعر المسرحيّ وإن لم أنشره بعد وفي آخر ديواني "مواكب الذكريات" تمثيلية شعرية قصيرة...
- ولديَّ مسرحية شعرية مطَّولة قيد النشر اسمها "ثنيات الوداع".
- ولعل من روافد ثقافتي كذلك المعمِّقة لتجاربي الشعرية حبي للتاريخ وللرحلات حبّاً يقرب من درجة الهيام.
- ولقد عشت في التاريخ بفروعه المتغايرة وتجوَّلت في مقاصيره وحجراته بوعي؛ والتاريخ عالم فسيح يكثِّف حياة الإِنسان ويضاعف تفاعلها مع الأحياء، وهو كعالم الرحلات سواءً بسواء.
- لقد وصف التاريخ أحد الشعراء بقوله:
ليس بإنسـانٍ ولا عاقـل
من لا يعي التاريخَ في صدرِهِ
ومـن وَعَى أخبارَ من قَبْلَهُ
أضافَ أعمـاراً إلى عُمـْرِهِ
- ووصف الرحلات "أبو تمام" بقوله:
وطولُ بقاء المرء فــي الأرض مُخْلِقٌ
لديبـاجتيــه فاغتــرب تتجـدَّدِ
- وتأمل روعة قوله "فاغترب تتجدد"!
- وقبلهما وصف "الشنَفرَى الأزدي" الرحلات والمهاجرة بأروع بيتين من لاميته المعروفة:
وفي الأرض مَنأى للكريم عن الأذى
وفيها لمن خـافَ القِـلى مُتَعـزَّلُ
لعمرك ما في الأرضِ ضيقٌ على امرئٍ
سرى راهباً أو راغباً وهـو يعقـلُ
- لقد شاقتني دراسة التاريخ كثيراً ولعل في هذا سرّاً لحصولي على الليسانس فيه.
- كما شاقتني الرحلات، فأتحت لنفسي أن أجوب ما استطعت ارتياده من كثير من آفاق العالم الحديث.
- ومن اهتماماتي الفنية، والثقافية أنني كتبت في فصل القصة بعض مجموعات قصصية لم تنشر منها غير مجموعة واحدة في سلسلة (إقرأ) عنوانها "أنات الساقية" كما نشرت مجموعة أخرى عنوانها "حبٌّ في الظلام" عن دار المعارف بمصر.
- و "أنَّات الساقية" تمثل ألواناً من بيئتنا المحلية.
- كما عنيت ببعض الدراسات الأدبيَّة ونشر لي! كما سلف الحديث: دراسة عنوانها "فارس بني عبس" وعنيت بالمقالة والنقد ولي في ذلك كتابان مطبوعان هما "شوك وورد" و "أنا والناس".
- وأعود إلى الحديث عن الشعر فإن كثيراً يسألونني عن تعريف للشعر ويتساءلون ما هو الشعر؟؟
- والشعر عندي لا يُعرَّف، وكم أجهدت نفسي في تعريفه فما استطعت، ولا أعتقد أن هناك تعريفاً استطاع أن يستقطب الشعر أو يحدِّد ماهيته أو يلم بطِلْسمه السحريّ المغلق.
- قد يكون ملائماً أن نقول إن الشعر هو الإِنسان بآفاقه البعيدة، ونظراته المتباينة، ورؤاه وأحلامه، وفكره، وبصيرته، ومعطياته بأوفى شمولها وأبعد آمادها، وأسمى ميولها وغاياتها أو أحط نزعاتها وغرائزها، ومن السخف أن نعرِّف الإِنسان بأنه المخلوق الحيّ الذي ينظر ويفكر ويحيا ثم يموت ويخلد ذكره بعد موته حيناً أو ينتهي أمد ذكره بانتهاء حياته الزمنية الوقتية.
- لقد وصف الإِنسان شاعر بقوله:
وتزعم أنك جِـرمٌ صغيـرٌ
وفيك انطـوى العالَمُ الأكبُر
- كما أن الشاعر كبير جداً وهو يوغل في متاهات النفس ويجوب دروبها، ومنعرجاتها، ويكتشف ما غمض من أسرارها، ومتاهاتها، ويعبِّر عن شتى حوافزها وخلجاتها.
- كما يسألني الكثيرون عن الالتزام، وهل أنا شاعر ملتزم أم غير ملتزم؟؟
- إنني في الحقيقة إنسان يعبِّر بلغة الشعر.
- وفي حالة أن يكون الالتزام إلزاماً وفرضاً فإنني لا أسيغه بطبيعة الحال، ولا أرضى للشاعر هذا الموقع في الحياة؛ وفي مقدِّمة ديواني "نداء الدماء" في المجموعة أوضحت مذهبي من هذه القضية الفكرية.
- إنني شاعر أعيشُ - ما أُتيح لي - همومَ النفس البشرية، كما أنني شاعر أحيا - ما استطعت - هموم قومي في هذا العالم المتناقض المضطرب، المغلَّف بالضباب، الرازح تحت كابوس الذل والنفاق، والجريمة، والواقع تحت سيطرة الاستعمار، والظلم، والاستبداد؛ وما من ديوان من دواويني إلاَّ وفيه نبض لهذه الهموم القومية المتفاقمة، ومحاولة لتحريكِ الطاقات الإِنسانية نحو عالم أفضل ونحو مُثُلٍ عُليا؛ كما أن ثلاثة من دواويني تكاد تكون شعراً قومياً محضاً.
- ولست مسؤولاً كإنسان عن الوصول إلى قمة النجاح أو الهبوط إلى وهْدة الإِخفاق في هذا المضمار، ولكنني مسؤول - ليس غير - عن نَكْأِ الجُرح، ومحاولةِ سكْب البَلْسم الذي قد يكون سبباً في برئه وشفائه.
- وهناك أيضاً سؤال يلحُّ به عليَّ كثيرون، وهو ما هو أحسن الأوقات عندي لتسجيل التجربة الشعريَّة وهل أستعين على تهيئة اللحظة الشعورية بما يهيِّئ لها جوّ الانطلاق؟ كاتخاذ مجلس معيَّن، وتناول قدح من الشاي أو القهوة أو ما إليهما، أو اختار لها وقتاً من الأوقات؟؟
- ولهؤلاء أقول: إن التجربة غالباً هي التي تخلق هنيهتها، وهي التي تحفِّز الشاعر على الاحتشاد لها، وتأخذ عليه أقطار نفسه، ومنافذ حسه؛ فلا يملك إلاَّ أن يظلَّ أسير رغبتها.
- على أن هناك وقتاً حينما يتوهَّج فيه الحافز الشعريُّ عندي فإنه يكون أفضل الأوقات لتقييد الخاطرة الشعرية ذلك هو وقت السحر.
- وهناكَ من يسألني ما هي نظرتك إلى الحياة؟
- ونظرتي إلى الحياة أن الإِنسان فيها - وأخصُّ الشاعر - كالطائر المرفرف الذي وقع في شباك صيد كبير وهو يحاول أن يتفلَّت من هذا الشباك فلا يستطيع ومع هذا فالصياد له بالمرصاد يمهله فترة - قد تطول وقد تقصر - ثم ينقضُّ عليه وتكون النهاية المحتومة.
- والنهاية هي الموت.
- من ثَمَّ فإن حياتنا الدنيا مهما اصطرعت فيها الآراء والرغبات واضطربت فيها المباهج، واضطرمت الأشواق، ما هي في حقيقتها إلَّا مأساة، وقَدَرُنا فيها المعاناة المتَّسمة بالصراع الخالد الأزلّي حيث يجد المرء ذاته فيه مرغمة على احتمال ما لا يحتمل، وإساغة ما لا يطاق.
- وبعد:
- فلقد كان من السهل عليَّ أن أُفيض كثيراً في وصف تجربتي الشعرية كما عايشتها وأعايشها، وأن أسترسل في توضيح جوانب الرؤية الشعرية كما مارستها وأمارسها، ولكن عاقني عن هذا عاملان لهما قيمتهما، وأهميتهما:
- الأول: أن أترك للناقد الحرية المطلقة في أن يسلك الطريق الأرحب إلى ذلك لا سيما وقد وضعت على الطريق صُوىً تهديه في مسيرته، ومفتاحاً يمكنه به أن يجد سبيله إلى نقد هذا الشعر وتقويمه.
- والثاني: أنني قد صدَّرتُ أكثر دواوين مجموعتي بمقدمات قد تطول أو تقصر؛ وفي هذه المقدمات لمحات عن حياتي الشعرية، واهتماماتي الفكرية تكمِّل جوانب الصورة، وتشرح ملابساتها، وتضع الرتوش على ما غَمُض من ظلالها وألوانها، وما انفرج من فجَواتها وزواياها.
- وأخيراً فإنني أعتذرُ مخلصاً عن إيراد هذا الحديث بالصيغة التي فرضت كتابته صيغة المتحدِّث عن نفسه، فإنني أنفر كثيراً من صيغة "الأنا" هذه، ولا أودُّها لأي إنسان فكيف أسيغها للشاعر...؟
- ولكنني أعتقد أن عذري سيكون مقبولاً، ما دام أن هذا حديث بين أصدقاءٍ خُلَّص، وما دام أن الهدف من ورائه هو المساهمة في توضيح جوانب شخصية لشاعر يقف بينهم مُسْتهدفاً للاعتراف.
- والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ويعقب الأستاذ حسين نجار على حديث المحتفى به فيقول:
- أعتقد أن من المناسب أن نعرج مرة أخرى إلى الحديث عن جانب أغفلته إما عمداً أو سهواً وهو الجانب الوظيفي في حياتك وأثر ذلك أيضا سلباً أو إيجاباً في عطائك الشعري.
فيجيب المحتفى به قائلاً:
- الحقيقة لم أغفله وإن كان قد أشار إليه صديقنا الكبير الأستاذ عبد المقصود خوجه وفي دواويني، وفي مجموعتي الشعرية لمحات موسعة عن هذا الجانب من الجوانب التي أشرت إليها يا أخ حسين. فما أعتقد أن هناك داعياً لإِيراد شيء من ذلك.
ويعاود الحديث الأستاذ حسين نجار قائلاً:
- لقد كنت أذكر الأستاذ أحمد الشامي عندما كان يعمل في الحقل الدبلوماسي أشار إلى أن الدبلوماسية كبَّلته بشكل أو بآخر أن يكون ذلك الحر الطليق فيما يقول فما بالها بالنسبة لك؟.
ويرد المحتفى به على السؤال قائلاً:
- والله في الحقيقة الشاعر يود لو أنه خرج من سجن الوظيفة أو لو لم يدخل هذا السجن أصلاً، يعني هناك أبيات للشاعر عن الوظيفة يقول فيها:
غداً سيعدون لي في حيـاتي
وظيفة ظـل وعيش زري
ولكـنني سأبيع الوظيفـة
بيـع الأبي فمـن يشتري؟
فقد أنبري اليوم للمكرمات
وعند الوظيفـة لا أنـبري
ولا أفتري اليوم زور الكلام
وعند الوظيفة قـد أفتـري
- ويقول صديقنا الشاعر حسين سرحان من أبيات له في الوظيفة:
وإذا أتى الزوَّار ظلوا بـرهة
يتلفتـون تلـفت الهيـاب
لا لن تراعوا إننـا لجميعنـا
فرغ الرؤوس خوافق الألبـاب
 
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1939  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 21 من 149
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الأستاذة الدكتورة عزيزة بنت عبد العزيز المانع

الأكاديمية والكاتبة والصحافية والأديبة المعروفة.