شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

الرئيسية > سلسلة الاثنينية > الجزء الأول (سلسلة الاثنينية) > حفل تكريم معالي الشيخ عبد الله بلخير (اثنينية - 4) > كلمة المحتفى به معالي الشيخ عبد الله بلخير ورحلة مع ذكرياته وملحماته الشعرية.
 
(( كلمة معالي الشيخ عبد الله بلخير ))
ويبدأ معالي الأستاذ عبد الله بلخير حديثه بالثناء على سعادة الأستاذ عبد المقصود خوجه والشكر الجزيل له، كما شكر الأستاذ الكبير محمد حسين زيدان شكراً صادراً من صميم القلب، ثم قال بعد ذلك:
- إن مشكلتي، وليس ذلك تواضعاً مني، أنني أتمنّى أن أكون من خير الناس خطابةً وإلقاءاً وكلمةً، ولكني أخجل ولا أستطيع أن أجاري هذا الرجل العظيم في إلقائه، فلو كنت ألقيت كلمتي قبل ذلك لكان خيراً لي، وما كنت أظن أن يجتمع هؤلاء الناس، أفاضل الرجال وأفلاذ كبد هذه البلاد. ولكن عبد المقصود لمحبته لي، حدَّثني هاتفياً، بقوله: سنلزمك بأن تلقي شيئاً، وأن تتكلم، فقلت له: كل شيء ممكن إلاَّ هذا. فقال لي: نحن عندما قررنا الدعوة لتكريمك، لم نستأذنك، لأنني أعرفك لو قلنا لك لما قبلت، وإنما بلَّغنا الناس وحدَّدنا اليوم ثم قلنا لك أيضاً: إن هذا المساء سيكون لقاؤنا بك، فأسلمت أمري إلى الله. ذكر الأستاذ الكبير الزيدان مكة المكرَّمة وذكر نشأتي بها، وهذه مسألة تحرك نياط قلبي، وأنا عاشق للحجاز ولمكة المكرمة، وكنت أتمنّى لو أن صديقي وأخي عباس غزاوي كان موجوداً، لقرأ عني ما أريد أن أقول، ولكني مضطر الآن أن أقرأ عليكم ما أعددت رغم فساد خطي.
وهنا يتدخل الأستاذ زيدان قائلاً:
- هناك معادلة بين فساد خطه وصلاح حظه، فليفسد الخط وليسعد الحظ.
 
فيقول الأستاذ بلخير:
- أي والله وهذه من كلمات الأستاذ الزيدان التي يشعُّ بها كما تشع الأحجار الكريمة بألوانها وضيائها، فأنا أشكره، وما من شك فأنا أحمد الله أنني لم أتقدم وأصل إلى ما وصلت إليه إلاَّ بحظي، فليس لي في ذلك جهد وإنما تحقَّق بتوفيق الله سبحانه وتعالى، فما كنت يوماً من الأيام أحسب أنني سأكون قريباً مقرباً من الملك عبد العزيز بحيث أنني - اسمحوا لي أن أقول لكم - أستطيع أن أتصل به في أي وقت..
- لأنه أمرني أن أوقظه إذا حصل في العالم حادث خطير يستحق أن يقوم من نومه لأجله حتى لا يعلمه سواي، لأنني أحد الموظفين المسؤولين عن تتبُّع أحداث العالم لمدة ست سنوات كاملة، كما يعرف صديقنا وحبيبنا الأستاذ/ الشبيلي، فكنت طبعاً لا أوقظه من نصف الليل إلاَّ على حدث كبير، كنزول الحلفاء في صقلية فيقوم هاشاً باشاً لأنه كان يعلم أن الحرب يجب ألاَّ ينتصر فيها المحور.
- وقد أوكل إليَّ بالذات مهمة الاتصال به، فقد كان الأستاذ عبد العزيز الماجد، وهو مصري، يتقن اللغة الإِنجليزية إتقاناً عظيماً، وكان أستاذاً من أساتذة الجيل، علَّم في مدرسة البعثات، وكان مسؤولاً عن الـ "بي بي سي"، وكان مسؤولاً عن الإِذاعات الأمريكية باللغة الإِنجليزية.. وكان هناك أستاذ سوري اسمه السيد إبراهيم هاشم، مسؤولاً عن أخبار المحور.. وكان المحور في تلك الأيام أظن سنة 1940م هو برلين، وفيشي في فرنسا، وروما في (محطة باري) المعروفة، "محطة الشرق الأوسط من البلقان"، فلما جئت للعمل في ديوان الملك عبد العزيز. قال: أنت للمحور لأن إبراهيم هاشم استقال أمس.. وأعتقد أن في هذا ما يشفي غليل من طلب مني أن أقول شيئاً عن حياتي.
 
أحد الحضور يقول:
- نحن نريد البداية يا سيدي.
فيرد المحتَفى به قائلاً:
- أنا عندما كنت تلميذاً في مدرسة الفلاح، تعلقت طبعاً بالوطنية وتعلَّقت بمحبة جزيرة العرب عامة، وتعلَّقت بمحبة الحجاز خاصة، وتعلقت بمكة المكرمة طبعاً، كما لا يحتاج أن أقول المدينة المنورة. وفي تلك الأيام وأنا أبلغ من العمر تقريباً أربع عشرة سنة، كان الأستاذ أحمد السباعي رئيس تحرير جريدة صوت الحجاز. وكان مقرها في العمارة المطلة على باب الوداع، وكان أستاذنا يشجعنا معشر الشباب، فذهبت إليه أحمل معي (ألفية في الوحدة العربية)، أعددتها على نفس ألفية ابن مالك في النحو، وغيرها من الألفيات الأخرى، ولا أعتقد أن أحداً منذ خمس وخمسين سنة قد فكَّر في هذا، وقد بدأتها بحماس شديد على طريقة براءة من الله ورسوله، أي: بدون بسملة، لأن فيها حرباً وشجاعة، وعرضتها عليه فأعجب بها ودهش وقد كان رجلاً حباه الله من العلم، والفضل ومكارم الأخلاق، ما مكَّنه أن يتبنَّى الأولاد الصغار، وأن يتبنَّى الشباب، وأن يشجِّعهم، وهي صفات عظيمة يتمتَّع بها أيضاً أخي وأستاذي الأستاذ محمد سعيد عبد المقصود كما يعرفه من يعرفه.
صوت أحد الحضور يطالب معاليه بأن ينشد مطلع تلك الألفية، فيرد معالي الشيخ المحتفى به:
- المطلع من دون بسملة مع عدم المؤاخذة والقصيدة كلها من بحر الرجز على طريقة ألفية ابن مالك أقول فيها:
بالسيف إدراك الأماني والطلب
ماذا أفاد الاحتجاج والخطب
فإنه الحاكم فيما يُشكل
وربه المكرَّم المبجَّل
وأمة تجعله الشعارا
ترى الشعوب كلها أنصارا
 
- إلى أن أقول:
جزيرة العرب بلادي والعرب
قومي من شرَّق منهم أو غرب
بهم أباهي، وبهم أصول،
وفي علاهم كل ما أقول
فرض علي حبهم جميعاً
وأنْ أرى لأمرهم مطيعاً
وأن أعيش لهمُ مجاهداً
وحسبي الله عليَّ شاهداً
إلى آخره.
 
- وفي تلك الحقبة من الزمن لم تكن هناك أناشيد حماسية يقوم بإنشادها الطلاب، كلما هنالك في مدرسة الفلاح نشيد نُردده لكبار الضيوف الحجاج عندما يطلب منهم معاونة المدرسة أو التعرف عليها في أيام الحج، وكانت كلماته خالية من الحماسة والوطنية. فقلت: لماذا لا نعمل أناشيد، ولا أدَّعي لنفسي الأسبقية، فلربما سبقني بعض الناس بعمل ذلك. كالأستاذ العوّاد الذي يحتمل أنه قام بعمل شيء من هذا القبيل في تلك الأيام لأنه بعد ذلك عمل أناشيد أيضاً، فكتبت خمساً وعشرين أنشودة كلها قبل أن أتعرَّف على شعراء الأناشيد في مصر وسوريا ولبنان. وطبعاً كنت أُطلع محمد سعيد عبد المقصود عليها، وقبل هذا كنت أنا ومحمد سعيد عبد المقصود عندما أزوره في منزله نجلس ونفكر في أحوال بلادنا، وكنا نضيق درعاً من تلك الأناشيد التي يرددها مرتادو القهوة التي تقع أسفل داره، فقال لي: لماذا لا تكتب لنا أناشيد باللغة الدارجة، نعطيها لهم بدل الأغاني التي ينشدونها؟ ونعطي كل واحد منهم نصف ريال كي يوافقوا على إنشادها، نصف الريال كان شيئاً كبيراً جداً، فوافقت على اقتراحه فأعطاني ريالين من القروش ونزلنا بعد أن كتبت الأنشودة، وحاولنا إقناع المنشدين بقبول فكرتنا، واستلام المكافأة، ولكن فاجأنا رفضهم، وإصرارهم على عدم القيام بما طلبناه حتى وإن ضاعفنا لهم المكافأة، بعد ذلك صممت على كتابة خمسة وعشرين نشيداً، وقدمتها للأمير فيصل، فرفعها إلى مجلس الشورى، وبعد دراستها من مجلس الشورى خلال عطلة الصيف. قرَّر الموافقة على أربعة عشر نشيداً وتولَّت طباعتها على نفقتها مديرية المعارف في تلك الأيام، وسمَّتها (مجموعة الأناشيد العربية للمدارس بالمملكة العربية السعودية)، نظم شاعر الشباب (عبد الله بلخير)، وكـان ذلك سنـة 1354هـ، ومن تلك الأناشيد: نشيد "الوحدة العربية"، ومطلعه:
لبيك يا داعي الوطن
لبيك سرّاً وعَلَن
لبيك يا صوتاً دوى
حرَّك مِنَّا ما سكن
 
- ومنها أيضاً نشيد "تحية العلم"، الذي أقول فيه:
علم الوحدة رفرف
أنت عزٌّ للعرب
كل حُرٍّ بك يهتف
كي يؤدي ما وجب
كلنا في الحرب جند
تحت رايات الوطن
ندرأ الشر عن العُربِ
ولا نخشى الفتن
 
- ومنها نشيد "مكة المكرمة" محبوبتنا العظمى، أقول فيه:
مهبط الوحي وهدي العالمين
وبلاد الأنبياء والمرسلين
شع من بطحائه نورُ الهدى
يهتدي الناس به دنيا ودين
ومشت ألوية الحق إلى
دول الأرض بأيدي الفاتحين
من بني زمزم ممن نشأوا
في حمى البيت هداة مرشدين
يا فتـى البطحــاء كـن مستبسلاً
أنت شبل العرب المستعربين
- ولقد حصلت على مكافأة مقدارها خمسون ريالاً، وهذا أول ما قبضته من الشعر، وعُمِّمت الأناشيد التي يسمعها الآن أساتذتنا، وتبدو لهم أنها بسيطة، أو أنها يجب ألاَّ تقال. ولكن إذا نظرنا إلى الفترة التي قيلت فيها فإنها تمثِّل شيئاً كبيراً.
- ومن الذكريات الجميلة التي أعتز بها أنني في موسم حج عام 1396هـ كنت قد عدت من رحلة طويلة في أوروبا إلى بيتي في عمارةٍ عاليةٍ مشرفة على النيل والأهرامات بمصر المحروسة، وكنت جالساً في شرفة البيت، فسمعت صوتاً جهيراً ينبعث من جهاز التلفاز في غرفة الاستقبال، فوثبت مهرولاً من الشرفة لسماع الصوت، فإذا به صديقي، وأستاذي وشيخ العروبة، وشاعرها العظيم الشيخ أحمد بن إبراهيم الغزاوي، وقد أشرق به التلفاز، وهو يرتجز حولية موسم حج ذلك العام بين جماهير أفلاذ أكباد العالم الإِسلامي.
- جلست أمام التلفاز وقد غمرتني أحاسيس الذكريات بروائع أستاذنا الغزاوي في الحفلات التي تقام في مواسم الحج من كل عام، حيث أكون بين جماهيرها، وبجوار شاعرها.
- فاض خاطري وأنا في غمرة ما أراه وأسمعه بهذه التحية القلبية، والذكرى الشجية للشاعر العظيم، ولأيام صباي وشبابي في مكة والرياض. وكانت الذكريات حينئذٍ تهزني هزاً.
- فهذه القصيدة من فيض الخاطر في تلك الساعة تحية عرفان وإكبار وإجلال وولاء لشيخنا، وهو يتخطّى الثمانين من عمره رحمة الله عليه. وأنا من تلاميذه ومن محبّيه ومن المتعصِّبين له.
- مطلع القصيدة هو:
يا من تحيَّر في الإِسرا وضاق به
عقلاً وما فيه من آي وأخبار
هــل بعــد مسرى رؤى التلفاز مشرقة
فـي الكـون كالبـرق من شك وإنكار؟
 
ثم وجهت الحديث إلى الشيخ أحمد الغزاوي قائلاً:
سمعت صوتك في بيتي المطل على
أهرام مصر ومجرى نيلها الجاري
سرى من أم القرى أشرقت الدنيا به في ثوانٍ ذات أسحارِ
فلُحتَ في شاشة التلفاز مرتجزا
حولية الحج طيفاً مومضاً ساري
لولا التقى، خلتُ حولياته نُسكا
بعد الفروض لحجاج وعُمّارِ
يفوح منها عبير "أم القرى" وروابي "طيبة" وشذا "نعمان" في داري
فكدت أمشي إلى التلفاز أحضنُه
شوقاً، وألثم فيه طيفك الساري
وفـاض مـا غـاض من شعري وكنت ولا
تزال ملهم أفكاري وأشعاري
ورنَّحتني رؤى لاحت على عجل
تموج ملء أحاسيسي وأفكاري
واحَرّ قلباه للذكرى تجيش بها
خواطري، وفؤادي الخافق الواري
أكاد أصغي إليها كالصدى بعدت
أغواره في ثنايا بئر أو غار
فيها مـن أنفـاس (نجد) حينمـا عبقـت
بها قوافيك مثلُ النّد في النار
شممت فيها شبابي في (الرياض) فيا
ذكرى (الرياض) وأيامي وتذكاري
ربيع عمري بنجد كله عبقٌ
بذكريات تغني والهوى ساري
إذا الربيع أتانا في مطارفه
وفاحت الأرض من أنفاس أزهار
مشى إليه (طويل العمـر) (1) فـي صخـب
وحولُه، كلُ رماح وبتار
ما بين (حَزوَى) وما بين (اللصافةِ) و(الصمان) و(الحفر) من روض وآبار (2)
نيرانه عرسُ (الدهنا) إذا اشتعلت
ملءَ الفضاء، لأضياف و(خطار)
* * *
في روضة (الخفس) و (الدهناء) كـم نُصِبَت
بها خيامي وكم قضيتُ أوطاري
وطالما اختلت في كثبانها مرحاً
عَلَيَّ شملةُ صوف ذاتُ أوبار
أمسى وأصبح فيها والرمال بها
معازف الجن في أنغام زمار
تعثو الرياح بأوراقي تبعثرها
في خيمتي، وبأقلامي، وأحباري
وطالما سهرت حولي عباقرة
مــن (جـن عبقـر) سماري علـى ناري
جن الرمال السوافي في مراقصها
من حول زوبعةٍ أو حول إعصار
جاؤوا من (الربع الخالـي) تسيـل بهــم
كثبانُه في عجيجِ زاخر واري
لهم على (الجود) مــن (عبد العزيز) قرىً
ومن (نداه) على ورد وإصدار
مـالوا علـى (خيمتي) فـي عرض لَجِبٍ
كالريح مال بأشجار وأحجار
بتنا على جنبات الرمل في صخب
وفي أهازيجِ عشاق وأخبار
يروون لي شعر أجدادي وأنشدهم
شعري، فتمتلئ (الدهنا) بالأشعار
تصغي إلينا صبايا الجن معجبةً
بشاعر، لبنات الجن، سحار
مقهقهاتٍ، إذا داعبتهن بما
يثيرهن، من أخباري وأسراري
تقول لي (نارة) منهن: كن حذراً
منا، فعشق بنات الجن من نار
فقلت: عشق صبايا الإِنس موقدةٌ
نيرانه فاسأليني عنه يا (ناري)
فكم وردت وصحبي الماء مصطحباً
علـى (رماح) بدلـوي، للهـوى شـاري
عليه من (ريم نجد) كُلُّ مسعرةٍ
للعشق يخشى هواها كُلُّ مغوار
ريمِ (الدواسر) أو (حرب) وجارتِها
(قحطانِ) أو مـن (سبيع) العـزم والثـار
فيهن من خلق الإِسلام عفته
ومن سجاياه غض الطرف للجار
أزاحم البدويات الصباح على
جر الدلا والهوا يلهو بأطماري
من كل وارفة الأهداب ضامرة الأ
حشاء يدلـي (رشـاها) زِندُها العــاري
إذا تمطت تجر الدلوَ مال بها
كما يميل بخفق الراية الصاري
يفيض بين يديها، وهي تسكبه
في الحوض، للبهم، في زهو وتكرار
كأنها مهرة غراء تلعب في
روض وحول غدير بين أمهار
فتنتشي حولها الأنظارُ وهي بها
نشوى، فيا سحر أنظار لأنظار
سحر حلال وأخلاق مطهرة
مع العفاف بلا شين وأكدار
كنا بها في (حمى عبد العزيز أبي التاريخ) نرفل في حل وأسفار
واليوم في (خالد) العقبى يحف به
(فهد) وإن به للمخلص الضاري
كلاهما، في مسار المجد مؤتلق
يبني صروح حضارات وإعمار
شيخَ (البطاح) وشيخَ العائذين بها
من أهل (مكـة) مـن أهـل ومـن جـار
الذكريات أهاجتني وأنت بها
في (حارة الباب) مـن (أم القرى) الـداري
والذكريات عبير العمر يعبق في
أيامه، وليالي مده الجاري
لي في (الشبيكة) (3) عهدٌ لا أزال به
صبّاً ففيه صباباتي وأخباري
أضاء فجرُ حياتي في (أزقتها)
ولا يزال بها قلبي وآثاري
في كل شبر تراب في (ملاعبها)
ذكرى ترفرف في سمعي وأنظاري
لم تنسنيها روابي (النيل) وهي هنا
جناينُ الأرض من حور وأزهار
بكل (حفنةِ رملٍ) من (محصبها)
لا أشتري (لنـدن) الغنـا.. ولا (بـاري)
درجت فـي (برحـةِ المحجوب) (4) أحسَبُها
دنيا الورى ذاتَ أقطار وأمصار
إذا النوى طوحـت بي (للحجون) (5) بدت
لي (مكةٌ) ذاتَ أبعاد وأسفار
وطالما قمت في (الماحي) (6) مكبرةً
خلفي صفوفُ تراويح وأذكار
يؤمها (ابنُ ثمانٍ) في عمامته
إذا تـلا (الجزوَ) كـان الحافـظَ القـاري
يدري (العريف) (7) بها إن لم تخنه بها
(الستون) فهو (شبيكـي) الهـوى جـاري
* * *
ولست أنسى دخول (الركب) (8) صاخبةً
جموعه فهو في سمعي وأبصاري
والركب أنتَ به أدرى وأحْسَبُني
ببعض ما كان من أخباره داري
إذا تعالى به صوت (الحداة) زهت
ركائب (الركب) في زهو وإكبار
تهتز منه شعاب (أم القرى) طرباً
في أمسيات من الذكرى وأسحار
إذا سمعنا بشير الركب سال بنا
(لحارة الباب) سيل صاخــب جــاري
يهزنا صخب (البشرى) كأن بنا
مَسّاً من السحر من قيثار سحار
تكاد تسبِقُنــا فيمــا نخــب لــه
(أعلامُ جرول) من دوح وأشجار
وتنتشي كلُّ (حوراءٍ مطهرةٍ)
ملءَ النوافذ في آفاق أقمار
كأن في شرفات الدور لمعَ سناً
مجرةٍ، من نجوم ذاتِ أنوار
فيهن من (عبد شمس) كلُّ فاتنةٍ
تُطلُّ من شرفاتٍ ذاتِ أستار
لهن في صهوات الخيل (أفئدة)
يزهو بها (الركب) مــن آل وأصهــار
يرمينهم بفتات المسك عائذةً
شفاههن بذكر (الحافظ الباري)
ويعبق (العود) فيها من (مباخره)
يضوع في الحيِّ من دار إلى دار
مع (الزغاريدِ) أجراسِ النجوم إذا
تماوجت فهي من أصداء أوتار
تهتز منها نياطُ القلب خافقةً
ضلوعُها كاهتزاز السلك من نار
* * *
حتى إذا ما تبدى للحداة به
(باب السلام) كبدر التم للساري
تماوجت في شعـاب (أم القرى) وسـرت
أصواتهم في خشوع المتقي البار
مصليين على (خير الأنام) فيا
للَّه من صلوات ذاتِ آثار
وَ ثَمَّ طافوا (ببيت الله) وانتشروا
في الحي بين ذوي القربى والأصهار
وباتت (أم القرى) تزهو مصفقةً
شعابُها في أهازيج وسمار
كأنما كلُ حيّ في مباهجه
رفارفُ (الخلد) من زهر وأطيار
* * *
يا (شيبة الحمـد) فـي (وادي النبي) وجـا
رَ (البيتِ) ذي الـركـن خفاقاً بالأستـار
ذكرى لعينيك (يـا شيخي) يفـوح بـها
(أريجُ مكة) في أعقاب أمطار
كأنها من عبير الأذخر انتشرت
ملءَ الأباطح من نجد وأغوار
أشجى وأطـربُ مـن جـرسٍ تماوج مـن
خُلخالِ راقصةٍ مالت على (طار)
يزفها (الدان) و(الآهاتُ) تشعلُها
ناراً من الفتنة الحمرا على نار
* * *
ذكرى (الثمانين) والدنيا مصفقة
من حول (أحمد) في أنغام قيثار
ضمختها بشذا قلبي ترددها
هضاب (مكــة) ذات (البيـت) و(الغار)
إذا تَغَنَّى بها (جيران أبطحها)
غنَّى بها في (السراة) كلُّ سيار
فيشرئب (ثبيرٌ) في مطارفه
ملوحاً (لأميرِ الشعر) و(الجار)
يكــاد أن يتهـادى فــي جنادلــه
يقبل (المفرقَ) المغمورَ بالغار
* * *
على (سَمِيكِ) ابن (أم القرى) وشفيع الخلق (أحمد) من آل وأنصار
أزكى الصلاة تعالت من حناجرنا
إذا التقينا بحجاج وزوار
 
ثم يوالي المحتفى به الشاعر العظيم معالي الشيخ عبد الله بلخير إلقاء المزيد من ملاحمه العربية والإِسلامية، فيشدو بالمقطع الأول من ملحمته التي أطلق عليها عنوان "لبيك يا أم القرى" والملحمة طويلة كما يقول معاليه ولكنه اكتفى بالمقطع التالي منها:
أم العواصم والمدائن والقرى
لبيك يا لبيك يا "أم القرى"
لباك من صلى، وحج، ومن دعا
وسعى، وكبَّر خاشعاً واستغفرا
تتطاول القمم الشواهق في الذرى
كيما ترى في أفق مكتنا "حرام"
عالٍ علـى القمــم المنيفــة حولــه
تزهو السراة به عُلاً وتكبّرا
يسمو الغمام له يطوف بغاره
في الأفق مستلماً ذراه مزمجرا
فتراه في السحب التي التفت به
مُزَّملاً بين الذَّرى مُدَّثرا
وتكاد تسمع سورة القلم التي
نزلت عليه تهزّ هامات الذرى
قم واستمع صوت الأذان مهللاً
في الأرض من "أم القرى" ومكبرا
تتجاوب الدنيا صداه تماوجت
فيها مآذنها به متكررا
فإذا به بعثٌ يشع ضياؤه
وجحافل ومشاعل تهدي السرى
وهُدىً تفيض الجامعات بفيضه
بحراً ترامى بالمعارف أبحرا
 
ويكتفي معالي الشيخ بلخير بهذا القدر الذي أطرب به القلوب قبل المسامع من تلك الملحمة، ويعتذر عن إتمامها لطولها ثم يوالي سرد ذكرياته، فيقول:
- لقد وقفت تقريباً في العالم في كل بلد إسلامية وأنشأت فيها قصيدة طويلة في خلال ثلاثين سنة، فأنا وقفت في قرطبة ووقفت في غرناطة وفي إشبيليا وفي سبتة، وفي طنجة وفي فاس وفي القيروان، وتلمسان وغيرها. وسأقدم لكم فقط قصيدة واحدة عن قرطبة. لكن سأقول كلمة واحدة عن سبتة، وذلك لأنها معروفة بأنها محجة علماء العدوتين، فكل من هاجر من الأندلس في زمانها الماضي والحاضر يمر عليها وله فيها دار. فالقاضي عياض وابن خلدون وكل أصحاب الحديث وأعلام الأندلس لهم دور في سبتة. وقد ذهبت إلى سبتة وأقمت فيها أسبوعين وطبعاً ركبت فيها البحر قادماً من برشلونة ووصفتها:
لسبتة ذِكرٌ لا يزال معطرا
يفوح شذاً بين المدائن والقرى
وعهدٌ على الإِسلام ضاء سناؤه
على المغرب الأقصى سراجاً منورا
تطاول ثم امتد شرقاً ومغرباً
كما سار بدر في الدياجي ونورا
رأيت بها شيخاً توجهت نحوه
فألفيته كالرمح يهتز أسمرا
تقود عصاه خطوهُ وصبية
تجاذبه في خطوه المتعثرا
مَدَدْتُ له كفِّي أحيِّي مُسَلِّماً
فرحب بي مستعلماً مستفسرا
يسائلني ممن أخونا وقد علا
محياه طيف المستريب تحيرا
فقلت من البيت الحرام فهزَّهُ
جوابِيَ هز الكهربا فتسمرا
ومد ذراعيه مددت لضمهِ
ذراعيَّ في زَهْوِ العناق فكبَّرا
وفاضت مآقينا بما سال فارتوت
عواطفنا مما همَى وتحدّرا
فقلت: مَن العم المهاب فكان في
سؤالي له ما لاح لي متذكرا
فقال: من أكناف الجزيرة لا أعي
القبيلَ أمن عدنان أم كان حِمْيَرا؟
تدفق أجدادي ففاضوا على الرُّبا
من المغرب الأقصى خضماً تكسرا
يقودهُمُ موسى وعقبة كم طووا المفازات منها بالسرايا وبالسُّرى
فجازوا على بحر الزقاق يقودهم
بها طارقٌ فيمن أجاز ومن سرى
فأشمل منهم من تلقفت الذرى
طلائعهم بين المدائن والقرى
سمعنا من الأجداد أن جدودهم
أقاموا من البرنات للفتح معبرا
وأنّهم ممن أقال وحل في
بواتيه من نهر اللُّوار وحاصرا
تلاقت سراياه هناك فنازلوا
بها شارلماناً صابروه فصابرا
سقوه المنايا مترعاتٍ كؤوسها
سقوه بها الموت المولول أحمرا
فكان لهم في أورليان وحولها
من الوطن الأفرنسي مجدٌ تكاثرا
إلى أن أتى الثلج المخيف وأطبق الصقيع على عرب الصحاري مزمهرا
وباتت من البرد المدمر خيلهم
فكان لها من ذلك السهل مقبرا
جلوا وطووا عنها الخيام وجنبوا
إلى الدفء في جيش إذا هَمّ شَمَّرا
وما زالت الدنيا تدور وتنطوي
بهم، وأنت أدرى بعـد ذاك بـما جـرى
فَقَرَّ بأجدادي المقام بسبتة
فنحن بها اليوم البقايا التي ترى
نسير كما الأشباح فيها وهامنا
منكسة مما نلاقي وما نرى
نراقب فجراً نرتجيه لليلنا
الطويل إذا ما لاح في الأفق نَوَّرا
به من رباط الفتح هَبّت وأقبلت
علينا سرايا الفتح كالصبح نُشِّرا
يقود أمير المؤمنين جموعها
لسبتة لا غازٍ لها بل مُحَرِّرا
فتدوي منارات المساجد حولنا
بتكبيرها شكراً لنصر مُؤزَّرا
هززت لما أفضـى بــه الشيـخ هامتـي
وأكبرت منه ما أبان وكررا
وهزت يميني في وداع يمينه
وقبلته ما بين عينيه مُكْبِرَا
و قلت له: أبشر بِصُبْحٍ تبلجت
أساريره في أفق سبتة أسفَرا
تبلج ما بين المحيطين مشرق الضياء والاستعمار قد لاح مُدبرا
سألقاك يوم الفتح في الساحة التي
لقيتك فيها بين من قد تجمهرا
سألقاك في ميدان سبتة يوم تُقرع الطبول لمن قاد السرايا وسَيَّرا
وودعته والوعد بيني وبينه
بحيث تلاقينا إلى الله قدَّرا
قضيت بها يومي أجر بساحها
خطاي ثقالاً ماشياً متعثرا
أقلب طرفي في نوافذ دورها
وأرنو إلى أحيائها متبصرا
أجوب زواياها وأصغي لدورها
وأسمع في أذني همساً مكررا
إلاَمَ سأبقى في الأسار وكل ما
حَوَاليَّ من دنيا العروبة حُرَّرا
وتهمس لي أبراجها وكأنها
تسائلني هل من بشير مُبشرا
فأومي إليها أنه الفتح مقبل
مُمَسِّياً أرى أعلامه أو مبكرا
ومر بذهني في طوافي بدُورها
ابن خلدون مَن كان فيها تديرا
إذا مَرَّ بين العدوتين ثَوَى بها
فكانت له المستوطن المتخيَّرا
فكدت أنادي مَنْ رأيت بساحها
وأسأل عن دار ابـن خلـدون مَـن درى
فأقرع منها بابها فأرى بها
ومن شيخها دار العروبة والقرى
فأسمر فيها ألتقي حول حجة النهى بين من قد جاوروه وجاورا
فأسمع منه في المريدين قارئاً
مقدمة التاريخ من وحي عبقرا
أعب من البحر المحيط ثقافة الدهور وأروي ما أبان وحرَّرا
إذا قلـت: شيخـي، يعـرف الناس أنـني
عنيـت ابـن خلـدون المعظَّمَ في الورى
وصليت في محراب جامع سبتة
تطوف بذهني الذكريات مفكرا
وخيِّل لي فيه المصلى تزاحمت
زواياه بالجمع الذي قد تكاثرا
تصـدره القـاضـي عيـاض وحـولـه
العمائم كالموج الذي قد تناثرا
يرج سواري الجامع الرحب صوته
إذا ما تلا فيه "الشِّفَا" وذكَّرا
وصَلَّى على خير الورى فتضوعت
جوانبه مِسْكاً زَكِيّاً وعنبرا
وفاض بما يروي وعنعن ما روى
إلى العرش فيما قـد روى أشـرف الورى
أصَخْتُ بسمعي في خشوع لصوته
أتابع منه ما روى ثم فسَّرا
فعادت بِيَ الذكرى تهزّ جوانحي
لمكة والبيت الحرام المُطَهَّرا
وكيف ليالينا بها وقيامنا
التراويح في شهر لمن صام كَفَّرا
نؤدي به العشرين قامت صفوفنا
بها خلف من صلى إماماً وكَبَّرا
ونتبعها بالوتر فالقوم رُكَّع
سُجُودٌ ومن صلى التراويح أوْتَرا
إذا ما انتهينا من أداها وفاحت المباخر بالعرف الشذي مُعطَّرا
وطاف بنـا الساقـي فأروى ومـا سقـى
سوى زمزم فينا أدار وكَدَّرا
تعالوا بنا يتلو "الشفا" صــوت شيخنـا
ومن مثل علوي المالكيِّ إذا قرا
يضوع مع النَّدِّ المعطر صوته
كأن نبي اللَّه داود زَمَّرا
فيسري على أم القرى رَجْعُ صوته
يهز بها ركناً وحِجْراً ومنبرا
فلا تلقَ إلاَّ خاشعاً مترنحاً
من الشوق مــن بـاب السلام لحَزْوَرَى
تمايل فيما قد تمايل مُنْتَشٍ به
ثم ألقى دمعه المتحدرا
فيا نفحات الله فيضي بنفحة
من النور فـي القلـب الـذي قـد تَفَطَّرَا
وقودي خُطى العاصي فيــا رب نفحـة
من الله فيها جبر ما قد تَكَسَّرا
 
ثم يعود الشاعر الكبير لإِلقاء ملحمة قرطبة التي أشار إليها قبل إلقائه قصيدة سبتة، فقال:
ترامى بيَ الشوقُ المُلِحُّ مُغَرِّبَا
لـ (عاصمـةِ الإِسلامِ) في الغرْب (قُرْطَبا)
سريرِ مُلوكِ (العُرْبِ) فـي فجْـر مَجْدِهْم
على الأرض لمَّا شـعَّ (شرقـاً) و(مغْربـا)
تركـتُ بـ (باريـسَ) المقــامَ، ميمِّمـاً
حِماها.. وقد نادى هواها ورحَّبا
تخيَّرْتُ أن أسري إليها ومَرْكبي (القطارُ) اتَّخَذْنا منه للشوق مركبا
كأنَّكَ في مَسْراكَ فيه برَفْرَفٍ
مـن (الخُلْدِ) مـا أبْهـى سَنـاهُ وأرْحبـا
أوَأَنَّكَ في أرْجُوحةٍ تتلقَّفُ (المحَطَّاتُ) مَسْراها الرَّتيبَ توَثَّبا
تُطيلُ به الأسفارُ عُمْرَك.. أنت في
ذِراعيْه هادِي البالِ. إن خــبَّ أوْ حَبـا
تَمرُّ بك الدنيا وأنتَ مُمَتَّعٌ
بها.. تجْتلي منها العجائبَ معجَبا!
* * *
ركبتُ قطارَ الليل، والليلُ مشرقٌ
بـ (باريسَ) في أضْوائها قد تجلْبَبا
تَطاولَ مُنْساباً بنا وكأنَّه الشَّهابُ هوى بين النجوم، مَذَنَّبا
مقاصيرهُ مثل القناديل نَوَّرتْ
دُجـى الليل.. تَطـْوي مُشمخرّاً وسَبْسَبـا
تراءَتْ على الأفْقِ البعيدِ كأنها الكواكبُ تهوي.. كوكبٌ جرَّ كوكبا
تلوَّتْ على قضْبانِها وتأَوَّدتْ
تُراقصُ في مَجْرى تعاريجها الرُّبى!
* * *
يمـوجُ رسيـسُ الشجـْو حَـوْل انْسيابها
كهمْسِ العَذارى العاشقاتِ إذا نَبا
يُخيَّل للمُصغِي إليها.. وهَمْسُها
يَلي صَمْتَها.. خَفْقُ الفؤادِ معذَّبا
أوَأنَّ الذي يُصْغِي إليها وقد سَجا
به الليلُ في ما قد نأى أو تَقرَّبا
معازفُ جِنٍّ في (وبارٍ) تلاحقَتْ
ودقَّاتُ طبْلٍ خلفَ نيرانِها اخْتَبا
ترامتْ إلينا من مَراقصِ (عَبْقَر)
علـى (الرُّبُعِ الخالي) تهبُّ بهــا الصَّبــا
أراجيزُ قد خَبَّ القطارُ مُسابقاً
صداها المدوَّي.. راجزاً متعقبا
يلفُّ (جبالَ البيِرنيهِ) ويَعْتَلِي
شماريخَها بين السحاب تحسُّبا
تحدَّرَ مــن صعْبٍ مُنيفٍ مــن الـذُّرى
إلى مثْلِه.. إن لم يكنْ منه أصْعَبا
إذا ما هوى ينسابُ بين هِضابها
تَخَيَّلْتَ ثعباناً قد انْسابَ مُرْعَبا
تلوَّى على حافاتِها مترنِّحاً
يحاولُ من تلك الشماريخ مَهْربا
علـى ضـوءِ بـدْرٍ ضاحكٍ سـار حولنا
يطلُّ علينا مُسْفِراً.. لا محَجَّبا!
* * *
وَصبَّحَ مِسْرانا.. فحَطَّ (قطارُنا)
بأنْدلسِ الإِسْلامِ. أهلاً ومَرْحَبا
بـ (قرطبةِ) الفتْح المبيــنِ التـي سَـرى
بنا نَحْوَها الشوقُ المصفّقُ مُلْهَبا
جعلتُ طريقي حين أقبلتُ جسْرَها العظيم،َ على (الوادي الكبير) مجَنَّبا
تطلُّ القصورُ النّائفاتُ بشطِّهِ
على ما تَناءى منه، أو ما تقرَّبا
رفارفُ جنَّاتٍ تَطاولَ ظلُّها
علــى صَفْحـة النَّهْـر العريضِ، مُخَضَّبا
يعطِّرُ ما فاحتْ به شُرُفاتُها
مــن الرَّوْضِ، مـا فيه الندى قد تسرَّبا
كأنَّ به من عَرْف (طَيْبةَ) نفحةً
مـن الطِّيبِ.. من (وادي العقيق) ومِن "قُبا"
أو (الغُوطةِ الفيْحاء) رفرَفَ حَوْرُها
بما لاحَ فِضِّيَّ الأفانينِ أشْهَبا
أو (النِّيلِ) يا مـا أرْوَع النِّيلَ وهــو فـي
مَواكبِه يَخْتالُ في (مصْرَ) مُذهَبا
تجاوزْتُ جسْر النهر، أهتزُّ نشوةً
كما اهْتزَّ (عمَّارٌ) فلبَّى مثوِّبا
إلى (الجامع الأقصى) إلـى المسجد الـذي
تعالتْ به تزهو وتختالُ (قُرْطُبا)
بقية ما أبقى الزمانُ وصانَه
مــن المـجْدِ للإِسلام والعُرْب.. واجْتبى
فلمَّا تراءى لي وقفتُ مسلِّماً
يخيَّلُ لي أنّي أرى فيه (يَثْرِبا)
ولو جاز في (الإِسلام) قَبَّلْتُ ركْنَهُ
وطُفْتُ، كمـا طفْتُ بـ (العتيق) المُحَجَّبـا
خلعتُ نعالي خاشعاً عند بابه
أسيرُ إلى محْرابه متأهِّباً
وكَبَّرتُ فيه قائماً في تحية الْقُدومِ، بقلبٍ خافقٍ قد توثَّبا
أطلْتُ تحيَّاتي.. فطالتْ تحيَّتي
بمحْرابه.. أجثُو به مترهِّبا
وسلَّمْتُ تَدْوي الذكرياتُ بخاطري
أكادُ أرى ذهني بها قد تعصَّبا
تخيَّل لي منها رؤاها كأنَّها
أمامي. يرى فيها خيالي المغيَّبا
يمرُّ على ذهني الكليلِ هواجساً
تَغَشَّتْ يقيناً شعَّ فيها مكهْرَبا
تراءى (أميرُ المؤمنين) وآلُه
وموكبُه في (جمعة الصوم) مُجْتبى
 
تحفُّ كراديسُ الفوارسِ تَحْملُ الرِّماحَ به حوْل المُصَلّى تألُّبا
ترجَّلَ يمشي.. والعمائمُ حوْلَه
تمُورُ، وكلٌّ بالسِّلاح تنكَّبا
وأدَّى صلاةَ الفرْض قام خَطيبُها
فرَهَّبَ في ما قد أطالَ، ورغَّبا
وأبكى (أمير المؤمنين) وعيدُه
وقد مَحَّضَ النصحَ الأميرَ، وأسْهبا
وقال الذي ما قاله فوق منبرٍ
سِواهُ، بأذنيْ حاكمٍ حين أنَّبا
وصَلّـى.. فقامــتْ بالمصليـن حولــه الصفـوفُ.. فلمَّــا أمَّنـوا اهْتـزَّتِ الظُّبـى
فأضْفى على الجَمع الجَلاَلَ تماوُجُ الصِّهيلِ.. بتأمينِ المصَلّين مُسْهَبا
* * *
أثارتْ شجُونـي (الذكرياتُ) بـ (قرطبـا)
وأشْعلتِ الشَّجْوَ الدَّفينَ الذي خَبا
وقد كـان حُلْمـي يَوْمَ يمَّمـتُ سَاحَهـَا
وصلَّيْتُ في محرابها متقرَّبا
سلامٌ على باني شوامخ مَجْدِها
و (صقرِ قريشٍ) من تَعالى توثَّبا
وحاملِ أضْواء الحَضارة مُشْعلاً
بها في (أوروبَّا) ما أنارَ وهذَّبا
* * *
تهيَّأتُ.. فاخْترتُ (العبارةَ) كالسَّنى المرفرفِ، واخْترتُ (العقالَ) مُقَصَّبا
وسِرْتُ إلى (دار الخلافةِ)، كلَّما
قَرُبْتُ بخَطوِي ازْدَدْتُ منها تهيُّبا
دخلتُ فِناها.. والسُّعاةُ بجانبي
وخلْفي، يَدُلُّوني السبيلَ المقَرِّبا
إلى قاعةٍ كبرى، تزاحَمَ حوْلها
وفي بابها.. من قام فيها تأهُّبا
تراءى (أميرُ المؤمنين) بصَدْرها
فلمَّا رآنِي.. قام يمشي مُرَحِّبا
فسلَّمْتُ تسليمَ (الخلافة) لاثماً
به.. فوق عينيه الجبين المعصَّبا
يفوحُ بعرْفِ الطِّيب مِفْرَقُ رأسِه
وفي كفِّـه السيفُ الـذي قـطُّ مـا نَبـا
ومِلْنا إلى صدْر المكان، فمالتِ الْعيُونُ علينا.. هيبةً وترقُّبا
وأَوْمَأَ لِي في أن أكونَ يمينَهُ
وكرَّر لي ترحيبَه حينما احْتَبى
يُسائلني عن (مكةٍ) وديارِهمْ
بهــا. وهـو يستقصي لمـا كنـتُ مُطنِبا
وكان لنا فيما أفَضْنا بذكْره
حديثٌ ترامى في المسامع مُعْجِبا
* * *
وطابتْ لنا (دارُ الخلافة) وهي في
عُلاها.. محجُّ الخلْق في الأرض تُجْتبى
أقمْتُ أصلي (الخمْسَ) فـي المسجـد الذي
يموجُ بمن صلَّى به وتقرَّبا
وفي المسجد العِلْمُ الغزيرُ تزاحمَ الجموعُ عليه حينما عزَّ مَطْلبا
مشى بِي الهوى.. أرْنو إلى حَلَقاتِه
وقُوراً، شجيّاً، خاشعاً، متأدِّبا
رأيتُ (ابنَ حزْمٍ) ذاع فـي الدْرس صوتُـه
يقرِّر مـا أشْجـى القلـوبَ، ومـا سَـبى
تعالى فأصغى السامعون فخِلتُ ما
تعالى انْهمارَ الغيْثِ، أرْوَى وأخْصَبا
يحفُّ به طُلاّبُه.. فهو بينهمْ
يردِّدُ ما أفضى به، وتأهَّبا
يشعُّ جلالُ العلْم فوق جبينه
يفوحُ بعَرْفٍ مِن تُقاه مطيِّبا
وينشدُ من شِعْر الجَمال طرائفاً
يبلُّ بها يُبْسَ القلوب مُرطِّبا
يرشُّ بها أكْبادَ صَبٍّ وعاشقٍ
بطَلٍّ من الحُبِّ الطهور، تصَبَّبا
ويرْوي بها أصْداء كُلِّ بصيرةٍ
ويجلي عن الأبصار ما قد تحجَّبا
تضوَّعَ في (طوق الحمامةِ) شجْوُه
فأرْوى به ما كان أظْما وأسْغَبا
وأسبغَ فيه من طُيوفِ خوالِج النفوسِ.. صفاءاً بالسَّماح مُشَرَّبا
* * *
وأبصـرْتُ (شيخـاً) قــد تحلَّـقَ حوْلـه المرُيــدون.. مــا أبهى مُحَيّــاه أشْهَبـا
وقالوا (ابن رُشْدٍ) قلـتُ شيـخُ زمانــِه
وأعْجُوبةُ الإِسلامِ عِلْماً ومنْصِبا
وشيخُ شيوخِ الفكـْر فــي الغرْب. كلُّهم
يسيرون في مَسْراه.. عقلاً ومَشربا
أصختُ بسمْعي نحوه، فإذا به
يموجُ بما يُمْلي عليهم مصوِّبا
تريَّث في إمْلائه متهَدِّجاً
يردِّدُ ما يَرْوي.. بياناً مرتَّبا
يخبُّ وراه الكاتبون، ليكتبوا
أماليَ قد أفضىَ بها متشعِّبا
ففاضتْ عليهم من نُهاه بما به
تمرَّس في هذي الحياة وجرَّبا
يبرهنُ أن الله جلَّ جلالُه
بَرى سننَ الأكْوان، سلْباً وموجبا
وألَّف منها ما تنافرَ. فاستوى (الوجودُ) على ما قد أرادَ وركَّبا
ويمضي على هذا البيان كأنَّه
سحابةُ غيْثٍ في يفَاعٍ قد أجْدَبا
* * *
وقمتُ أريـدُ (الشعْرَ) فارتـاحَ صاحبـي
وكان (ابْنَ قزمان) الأديبَ المجرِّبا
مَشينا إلى (الوادي الكبير) فحَوْلَهُ
(عكاظٌ) أقاموا فيه للشعْر مَضْربا
قد اضطربتْ أرْجاؤه بمواكب الشَّبابِ.. كأضْواء النجوم تلهُّبا
تزاحمَ فيه المنشدون.. وردَّد الرُّواةُ.. وغنَّى من يغنِّي.. فأَطْربا
ومالَ علــى أذن (ابنُ قزمـانَ) هامسـاً
مُشيراً إلــى شيْــخٍ تُفَـكُّ لـه الحُبَى
يشقُّ زحام المحْتَفين، تطاولتْ
إليه عيونُ المعجبين.. تطرُّبا
تربَّع ما بين الجموعِ، فأحدَقوا
به في اضْطرابٍ منصتين تألُّبا
فقال: عرفـتَ الشيخَ؟ قلـتُ (ابْنَ نَاصحٍ)
أو (ابْنَ الطُّفيل) العبقريَّ المهذَّبا؟
فقال: مغنّـي الشـرق (زرْيـابُ) حوْلـه الجماهــيرُ، كَــمْ مـن منكـبٍ لـزَّ مَنْكبا
أبو الهَمَساتِ الراقصات تناثرتْ
على لهَوَاتِ العاشقين تعَرُّبا
ومُوحي بما غنّى المغنُّون و(التُّرُو بَدُورُ) بما أشجى وأضنى وعذّبا
ومُنْشي أهازيج الهوى، وهي عندنا التَّواشيحُ.. قد أنشأ غناها المركَّبا
تعلَّم منه (الغرْبُ) ألْحان عزْفِه
فَشرَّق في دنيا الأغاني وغرَّبا
وهاتيك (غزلانٌ) وتلك (هنيدةٌ)
فتاتاه.. في حبٍّ دفين تعذَّبا
تبثَّان من (عُودَيهما) ما تمايلتْ
عليه خُصورُ المنْتَشين، تقلُّبا
أهازيجُ أوحتْها لـ (زرْيابَ) جِنَّةٌ
تسيلُ على العيدان حبّاً تَصَبْصَبا
حَبتْنا به (بغدادُ) فهو بهذه الدِّيار.. تراه المَشْرقيَّ المغرِّبا
إذا هَجعَ السُّمّارُ، وانْسابَ صوتُه الشجيُّ على الوادي الكبيرِ مشبِّبا
وغنّى بما أشْجى.. فماستْ مشارفُ الذُّرى.. وذؤاباتُ (العروس) تصبُّبا
رأينا بوادينا (العقيقَ) و(وجَّهُ)
و(خيفَ مِنى) و(المنْحنى) و(المحَصَّبا)
و (فسطـاط) وادي النيل وهــو مصفِّق
لِما اهْتزَّ من طولِ النخيل مُرجَّبا
و (دجلةَ) يجري خلْفها في هيامه (الْفُراتُ) بشاطِي (القُرْنتين) تلعَّبا
مشارفُ دنيانا ومهوى قلوبنا
وحيثُ العُلا والمجدُ للعرْبِ والإِبا!
* * *
وتابعت مــا يَرْوي (ابنُ قزمانَ) ضاحكـاً
يُسائلني في غبْطةٍ متعجِّبا..
أتدْري مَن (الشيخ) الذي مـالَ وانْتحـى
مـن القـوم.. مـا بين المليحات.. مرقبـا
تنكَّر في أردانهِ متخفِّياً
على ما تراه ثَمَّ فيها مُجَلْبَبا..
(ابنُ زيدون) كم قــد رقَّص الغرْبَ شعْرُه
بـ (ولاَّدةٍ) فيمــا تغنــّى وشبَّبـــا
هَواها، فغنَّاها، وغنَّتْه ما به
إذا رَفَّ في سمْع المسيحيِّ، صَلَّبا
فأَوْرقَ دوْحُ الحبِّ واخْضرَّ وازْدهى
وقد كـان مـن قَبْل ابـن زيدون مُجـدِبا
على صوته غنَّتْ قُرانا وصفَّقتْ
ذُرانا.. بما أشْجى القلوبَ وطبَّبا!
* * *
وأبْصَرَنا مَن قد تجمَّع حَوْلَنا
فقد عرَفُونا صاحبين تحزَّبا
فصاحوا جميعاً بابْنِ قزْمانَ فانْتَشى
وغنّى، فأشْجى لحْنُه حين أعْرَبا
فماجتْ بما غنّى الجموعُ ورفَّتِ المقاصيرُ تزهو بالجمال وبالصِّبا
تناثَرَ في الأقمار من شرفاتها
يشعُّ بها جنحُ الدّياجر، أقْشَبا
حرائر من علْيا (أميَّة) تستحي البُدورُ إذا ما لُحْنَ من سُجُفِ الخِبا
كأنِّي أرى (لبْنى) (ولَمْيا) و(ميَّةً)
يزاحمْنَ (ليلى) و(الربَّابَ) و(زينبا)
ترفَّلن في زاهي الحرير مساحباً
ومِسْنَ بأرْدان الدِّمقْسِ مذهَّبا
تحفُّ بهنَّ الغانياتُ وصائفاً
من (الحُورِ) و(الولدان) و(الرِّيـم) والظِّبـا
مجرَّةُ ملْكٍ أشرقتْ بضيائه
وجرَّتْ من الأمجاد مجْداً تغلَّبا
تعرَّفت (أوروبَّا) الحياةَ بظلِّه
مباهجَ.. ما أحْلا رُؤاها وأعْذبا!
* * *
وتابعتُ سيري.. وابن قزمـان صاحبــي
دليلي، إذا ما ملتُ مال مطرِّبا
نجولُ على الوادي.. وأضواءُ بدْره
قد اتَّخذتْ من ضفَّة النهر مَلْعبا
يغنّي بها في منحنى النهر عاشقٌ
بظلِّ شراعٍ، جرَّ صوتاً ومطْربا
تهادى به.. حتى ترى لانْسيابه
على صفحةِ الماء المصفِّق، مَسْحَبا
أصاخَ له في شرفةٍ سمْعُ مدنفٍ
به هزَّه لمَّا رَنا.. مترقِّبا
شجاه بما غنّـى.. فأَصْغَـى لمـا شجـى
وكان الهوى في ما تكتَّم واختبا
وغاب رقيبٌ قدْ ينمُّ بما رَأى
وأزكـى الهوى مـا قـد يكـون مكذَّبا!
* * *
 
أفقْتُ من أحلامي فألفيْتُني بها
علـى سِنـَةٍ مـن غمْضةِ الطَّـرْف أقربـا
رؤىً لسـتُ أدْري كيـف مرَّتْ بخاطري
أماط الكَرى عنها الستارَ وصوَّبا
خيالٌ وأشباحٌ يلاحقُ بعضُها
من الغيْب بعضاً.. لاهثاً متغضِّبا
تهزُّ كياني وهي تُومض كالسَّنا الْبعيدِ بذهْني.. لا أضاءَ ولا خَبا
تلاشتْ أمامي كالسَّراب فخِلتُني
كأَنِّيَ مِمَّا كنتُ قد عدْتُ مُسْلَبا
إلى (مسجد) لمْ ألقَ فيه مؤذِّناً
يؤذِّنُ أو ساعٍ يلبِّي مؤوِّبا
أفقتُ فألفيتُ السَّواري يلفُّها
مـن الحزنِ مـا قـد لفَّها منـه، مُرهِبـا
حبيساتِ ماضٍ مرَّ يخشاه حاضرٌ
إذا ذكروا ما كان فيه، تهرَّبا
تماسكن في ذعـْرٍ مـن الصَّمْتِ مُرجـفٍ
كأنَّ خيالاً مدَّ ناباً ومخْلَبا
أحطْنَ بمحْرابِ (الصلاةِ) و(منبرِ) الإِمامة، فِعْلَ المستجيرِ قد آرْعِبا
وقد أوصدتْ من حولهنَّ نوافذُ (الْمصلَّى)، فأمْسى كلُّ نور محجَّبا
فلا يُرشدُ الزوَّارَ في جَنَباتِها
نهاراً سوى ضوءِ الشموعِ مُذَبْذبا!
* * *
تركتُ (المصَلَّى) خارجاً في كآبةٍ
من (المسجد) الثَّاوي علـى البعْـد مُغربـا
أجرُّ خُطى سَيْري وقـد ضـاق خاطـري
بما لاحَ لي فيما بدا وتقلَّبا
تُحشرجُ أنفاسي بما اغْرَوْرقَتْ به
عُيوني.. كئيباً كاسفَ البال مُتعَبا
أُردِّدُ في مِثْل اللّظى بين أضْلعي
أُحسُّ به كالجمْر فيها تلهُّبا..
فقدناك يا (سُلطانةَ المدنِ) التي
بمَغْربها في (الغرْبِ) سمَّوْهُ (مَغربا)!
طوى الدهرُ من عليا سماكِ (مجرَّةَ النُّجوم) فأمْسى ليلُ دنياك مُرعِبا
تهاوتْ صُروح المجد فيك ودَمَّرتْ
ذُراه السَّوافي.. ثم راحَتْ به هَبا
كأن لم تكنْ تلك (القرون) مواكباً
من المجْد تترى، موكبٌ أَمَّ موكبا
هو الدهرُ دولابٌ يدورُ، وهذه (الحياةُ) صراعٌ.. ما تعمَّرُ خُرِّبا
تَوالى بها كرُّ العُصور ولم تزلْ
تدورُ وتُطْوى.. كــل مـا آخْضَرَّ أجْدَبا
فويلٌ لمن لم يتَّعظْ من تقلُّب الزَّمان. ومن لم يتخذْ منه مشربا
ولا غالبَ إلاَّ الله.. عروةُ واثق
لمنْ كان مغلوباً.. ومن قد تغلَّبا
* * *
تجوَّلتُ في أرْباض (قُرْطُبَ) باحثاً
بها عن بَواقي المجْد فيها منقِّبا
وقفتُ على أطلالها فإذا بها
بلاقعُ.. قــد جـفَّ الذي آهْتزَّ أو رَبـا
ألا أيها المجْد الذي انْهار صَرْحُه
وأصبحَ ذِكْرى تبعثُ الغمَّ مكْرِبا
تعالى به (الأجدادُ) حتى سَما بهمْ
وضيَّعه (الأحْفادُ) حتى تخرَّبا!
تنازعَ (قُوَّادُ الطوائف) بينهمْ
وقد صالَ منهم كـل مــن هبَّ أو دَبا
فتلقى على أنحاء كلِّ وِلايةٍ
(أميراً) و(سُلْطاناً) و(قيلاً) و(مكْربا)
يخوضون حرباً قد صلَتْهُمْ بنارِها
فكانوا وَقُوداً في لِظاها، ومكسَبا
قبائل.. عادتْ للتنازع بينها
تناستْ من (الإِسلام) ديناً ومذهباً
أثارتْ شعارَ الجاهلية دامياً
يقاتل (عدنانٌ) على الحكْم (يَعْرُبا)
قـد انْغَمسُوا فـي اللهـو والفسْق فانْتَهوا
به حين أمسى منذرُ القوم مُذْنِبا
وأقبل طوفانُ (الفرنْج) فأغرَقتْ
أواذيه دنياهُمْ.. طغى وتعقّبا
تسيلُ بمَنْ فرَّ المسالكُ ناجِياً
من الموت.. مذعورَ الجوانح مُتْعَبا
وأوقدتِ النيرانُ.. يلتهم اللَّظى الأسارى، وحتى من تنصَّر، أو صَبا!
* * *
 
أَلاَ أيها النُوَّام والشرُّ محْدقٌ
بأوْطانهمْ.. أوْدى بها حين أَرْعَبا
تفجَّر في أقطارنا.. وكأنَّه البَراكينُ تَدْوي بالدَّمار تَوَثَّبا
تجمَّعَ فيه الأقوياءُ.. تحالفوا
علينا، عَداءً مِنْهُمُ وتَصلُّبا
تجمَّـع فيـه (الشرقُ) و(الغربُ) كلّهــمْ
يحاربُ مَنْ مِنَّا لسلطانه أبى
وما اجْتمعوا عَبْر القرون جميعُهمْ
إذا اجْتمعوا.. إلاَّ علينا تعصُّبا
وما بينهم في الكارثات (محايدٌ)
فأضْعفُهمْ تلقاه ذئباً وثعلبا
ودونكمُ التاريخُ.. عَبْر قُرونِه
تفيـضُ بـه البَغْضا علـى العُرْب كالْوبـا
وما نحن فيه اليـوم، برهـانُ مـا مضـى
ليؤْمنَ من لاحَى، ومارى، وكذَّبا
وعِلَّتُنا الكبرى هَوَانُ صُفوفِنا
وضعْفُ قوانا.. قد أصابا فأَعْطبا
(ملايين) مثْلُ النمل - لا في صراعها الحياة - على جهد الضعيف تدرَّبا
ولكنّه في العدِّ كالرَّمْل تعبثُ الرياحُ به عبْر الفيافي تقلَّبا
تموجُ به كثْبانه في زعازعٍ
يسمُّونها فيما تهبُّ به: الهبا!
قضاءٌ قضـاهُ اللَّهُ، عاقـَب مــن طغـى
به، أو بغى، لمَّا تمادى.. وأدَّبا
فيا ويح من لم يتَّعِظْ بمصيرهمْ
سيلقى الذي لاقـوا، ويَكْبُو كمـن كبـا
وها هي (إسرائيلُ) فوق صُدورنا
وعمَّا قريبٍ سوف يبلغُكَ النَّبا
يُعيد بها (الغرْبُ المحاربُ) دَوْره
علينا.. وهذا سيْلُه بلغَ الزُّبى
قد اسْتلَّ منَّا للجهاد حماسَنا
فأوْحى بما سمَّى (الجهادَ) (التعصُّبا)
وآزرهم (إعْلامُنا)، في اجْترامِه
غباءً.. عن الحقِّ المبينِ تنكبا
وسلَّطَ فينا مَن يقودُ جُموعَنا
على سننٍ ممَّا رآهُ وأوْجَبا
نسيُر، فلا ندْري إلى أين ينتهي المسيُر بنا.. بين الجهالةِ والغَبا
وها هي (دنيا المسلمين) تدور في الأعاصير.. تجتاح الرَّواسيَ والرُّبى
ففي كلِّ قطْرٍ (انقْلابٌ) تجمَّع (الرِّفاقُ) عليه.. والمثيُر له اخْتَبا
قد انْتشرتْ في (المسلمين) عداوةُ (المبادئ) تلقى كلَّ وجْهٍ مقطِّبا
كأنَّك تلقى فيه خصْماً محُارباً
ينازعُ في حلقومك الرُّوحَ مُغْضبا
وتلْقَى به الويْلَ المدمِّر إنْ سَطا
وسادَ على (إخْوانه) متعصِّبا
كأنَّ بنا من (لعنة اللَّهِ) ما بِنا
فلا نلقى مما قد جنيناه مهربا
* * *
هي (الذكرياتُ) المبكياتُ تُثيرها
(طليطلةٌ) و(اشبيليا) بعد (قُرْطبا)
أطوفُ بها طَوْراً وطوراً تطوفُ بي
فيُمْسي بها شجْوُ الهوى متسرِّبا
فيا ذكريات الفتح فـي الغـرب جـدِّدي
لنا عصْرَ تلك الذكريات المحبَّبا
وهُزِّي بها منَّا نياطَ قلوبنا
وزِيدي فبُثِّينا شَذاها المطيِّبا
أعيدي رُؤى (المنصور) و(الداخـل) الـذي
بنَى.. ثم أعْلا ما بناه وطنَّبا
و(موسى) وغازي صخرةِ الفتـح (طـارقٍ)
و(عُقْبةَ) و(الخولاني) خولان (مأربا)
لنذكرَ في الشرق (المثنَّى) و(حيدراً)
و(خالدَ) و(القَعْقاعَ) ثمَّ (المهلَّبا)
و(سعْدَ بنْ وقَّاصٍ) و(عَمـْرواً) و(جعفـراً)
و(عِكْرمةً) و(ابنْ الزبير) و(مُصْعَبا)
ذُرى (العـرْب) فـي دنيـا الفتوح تناثروا
علـى الأرض فـي مَسْرى النجوم تشعُّبـا
يقودون (عدْناناً) و(قحطـانَ) و(الصـَّدا)
و(طيّـاً) و(هَمْداناً) و(قيْسـاً) و(أرْحبـا)
و(كندة) في تيجانها و(هوازناً)
و(خيْلَ تميم) الصاهلات و(تَغْلبا)
وألويةً فيها (البرابرُ) حمْيَرُ الأطالسِ والأُوراس.. أصْلاً ومَنْقِبا
جحافلُنا الكبرى، ورايات فتحنا
على جَنَبات الأرض تُفْدى وتجتبى
ملأْنا بها الدنيا ضياءاً ورفعةً
وعلْماً وعدْلاً في الوَرى وتغلُّبا
وقد قوطعت أبيات هذه الملحمة بالتصفيق وانتشت بها القلوب، ورقصت لها الجوانح، وسبحت معها الأخيلة في عالم المتعة الذهنية.
(( عودة إلى الذكريات ))
ويستلم اللاقطَ مقدِّمُ الأمسية الأستاذ حسين نجار فيقول:
- بعد الذي سمعناه من تجارب شعرية مخلدة على مر الأجيال إن شاء الله، أرجو أن نعود مرة أخرى إلى مكة المكرمة، إلى مكان السباق، ومرتع خيالك ووجدانك، ونسأل عن فترة عملكم مع جلالة الملك عبد العزيز.
ويستجيب معالي الشيخ عبد الله بلخير، ويقول:
- لقد حضرت من الأحداث الشيء الكثير، فقد صحبت الملك عبد العزيز في اجتماعه مع كل من روزفلت، وتشرشل، وصحبته في رحلته إلى مصر. إن الملك عبد العزيز كان من عظماء الرجال، والعمل معه مسؤولية عظمى، وفي نفس الوقت من أسهل الأعمال، وكان - رحمه الله - في كثير من الأوقات معلماً لنا حيث كنا صغار السن. وكان يقول لنا: "قد يتراءى لكم فيما تسمعون من أخبار أنها غير مهمة، لكن الواجب عليكم أن تكتبوا كل شيء، وأن تصاغ الأخبار بأسلوب جميل، إنني أرغب منكم أن تعطوني حقي كي أعطيكم حقكم كاملاً". ومن ذكرياتي معه أنه غضب علي ذات يوم فنادى ضابط حرسه سعيد جودت وأمره بمنعي من دخول القصر ولذلك قصة طويلة سأختصرها:
- قبل حادثة المنع بأربعة أيام ناداني الملك عبد العزيز، وقال: انتبه لإِذاعة برلين وما سيصدر منها. لم أكن أعلم ما يشير إليه فقلت له: حاضر، ثم خرجت من المجلس الذي كان يغص بالأمراء، وقبل مغادرتي استدعاني مرة أخرى وهمس في أذني، وقال: "إن العراق أعلنت الحرب على ألمانيا فيجب عليك أن تسجل كل كلمة حول الموضوع وما هو رد الفعل من ألمانيا؟ لقد كان ربان باخرة في بحر متلاطم الأمواج. كان يحرص على سفينته وعلى بلاده وعلى العرب أيضاً من الغرق في الحرب، فلزم الحياد، لا مع الألمان ولا مع الحلفاء. عندئذ فهمت مطلبه، فقلت له: حاضر أطال الله عمرك، جلست أستمع إلى إذاعة برلين طول الليل وطول النهار يومين متتالين ولم يسمع أحدنا أي تعليق. وفي كل ليلة بعد قراءتنا للأخبار على سمعه كان – رحمه الله – يلتفت إلى من حوله ببساطة العظماء ويسأل قائلاً: ألم يعلق الألمان على إعلان الحرب حتى هذه الليلة؟ فيجيب الحاضرون بصوت واحد: لا. وفي الليلة الثالثة التفت بكل بساطة كعادته بعد قراءتنا للأخبار، وقال: والله إنه لأمر غريب أن لا يعلق الألمان حتى هذه اللحظة على إعلان العراق الحرب عليها! فلزمت الصمت لأني خاوي الوفاض في هذا الموضوع فليس لدي ما أقوله. غير أن أحد الحاضرين هو ابن شعلان وهو أخ لزوجة الملك عبد العزيز، قال: كيف طال عمركم لقد أعلن جويلز هذه الليلة بياناً هدد فيه العراق. نزل الخبر على سمع الملك عبد العزيز كالصاعقة وطلب من ابن شعلان إعادته فأعاده، فسأله الملك عبد العزيز: ومن أين حصلت على هذه المعلومات؟ فأجابه: لقد سمعت النبأ من إذاعة برلين باللغة العربية. ولقد كان ذلك الخبر محرجاً لنا جميعاً، وكان بجانبي الشيخ يوسف ياسين فقلت له: ربما جاء هذا النبأ في الإِذاعة الأخيرة فدعني أبين للملك الأمر، فطلب مني الشيخ يوسف أن ألزم الصمت، وقال: إذا ثار ابن سعود لا يقف أمامه أحد فعليك بالصمت. فغرقت في سكوتي ولم أدر ماذا يريد أن يفعل الملك بي؟ فقد رأيت تأثره ظاهراً على ملامح وجهه وما هي إلاَّ لحظات حتى استدعى الشيخ محمد بن دغيثر وجلس أمامه، وقال له: اكتب إلى فيصل وابن سليمان. الحقيقة أن موظفي الإِذاعة عندنا أصبحوا غير صالحين فابحثوا لنا عن أشخاص يحلون محلهم وابعثوا لنا يومياً بخمس نشرات باللاسلكي، ثم قام غاضباً يردد: "هذا شغل عيال".
- بعد خروج الملك سألت ابن شعلان: متى سمعت هذا الكلام؟ قال: سمعته من الإِذاعة قبل ربع ساعة من الآن. فقلت له: نحن منذ نصف ساعة كنا في السيارة قادمين في طريقنا إلى المربع، فكيف يتيسر لنا أن نسمع هذا الخبر؟ قال لي ابن شعلان: يا أخ عبد الله إنني أعتذر لما حصل. قلت له: كان في إمكانك أن تقول أنك سمعت ذلك من الإِذاعة الأخيرة.
- ثم طلب الملك إحضار سعيد جودت ضابط الحرس وأمره أن يمنعني من دخول القصر، فتأثر المستشارون كلهم لأنهم كانوا يعطفون علينا، فنحن تلاميذهم، وإخوانهم، وزملاؤهم. وعلى ضوء ذلك فكّرت في الالتحاق بشركة أرامكو. ونمت تلك الليلة مسروراً.
- ومضى اليوم الأول ولم يأت شيء من الحجاز لا من نائب الملك بالحجاز الأمير فيصل، ولا من ابن سليمان، وأذن العصر ولم يستجد في الأمر شيء، والملك حريص على أن يعلم كل شيء في العالم، ومن حرصه أنه يتابع أسعار المواد الغذائية باعتباره مسؤولاً عن المواطنين. الشاهد أنه بعد انقضاء اليوم الأول والثاني دون أية معلومات جديدة تضايق الملك عبد العزيز من المجلس ومن سير الأعمال أيضاً، لأن هذه الأخبار مهمة جداً عنده.
- وكان من عادة الملك عبد العزيز في بعض الأمور أنه إذا رضي عمن غضب عليه أن يوفد إلى ابنه سعود ليشفع له، غير أن الملك سعود لم يكن موجوداً في تلك الأيام، فاستدعى بشير السعداوي، وهو من أفاضل الرجال، ومن أفاضل المجاهدين في ليبيا، وكان يسميه الملك عبد العزيز دائماً "أبونا أبونا" وأسرّ له بما معناه "استدع موظفي الإِذاعة بحيث لا يشعرون أنني طلبت ذلك منك وأحضرهم بلطف إليّ". هذه المعلومة أخبرني بها الشيخ حافظ.
- أرسل إلي السيد بشير خادمه يطلب مني الحضور للذهاب بمعيته إلى المربع، فقلت لخادمه: ارجع وقل للسيد بشير إنني أعتذر عن الحضور لأن السيد سعيد جودت لديه أمر بعدم دخولي إلى القصر. ذهب الخادم ثم عاد ليخبرني بأن السيد بشير سيحضر إلي إن لم أحضر إليه. فوجدت أن حضوره ليس معقولاً، فتوجهت إليه بصحبة خادمه. وعندما قابلته قلت له: يا أبا عبد الحميد لن يسمح لي بالدخول سعيد جودت لأنه مأمور بذلك. فطلب مني الركوب فركبت وتوجهنا إلى القصر.
- وعندما وصلنا القصر، وجدنا عند الباب جنديين ردّا التحية لأبي عبد الحميد، وكنت أمشي بجانبه، وحين لمحني الضابط المناوب أدى التحية لأبي عبد الحميد، ثم قال: يا شيخ بشير إن أمر جلالة الملك المبلغ إلينا يقضي بعدم دخول الأخ عبد الله، فقال له أبو عبد الحميد: يا ابني إنه معي فلا بأس من دخوله فأصر الضابط على عدم دخولي: فقال له الشيخ إذن فادع لي رئيسك سعيد جودت وعندما حضر أدى التحية للشيخ بشير وسمح لي بالدخول بمعية الشيخ بشير وعلى مسؤوليته.
- وعندما دخلنا مجلس الملك عبد العزيز - رحمه الله - وكانت دلائل الغضب بادية عليه لأنه لم يستمع إلى أية أخبار منذ يومين فما أن أبصرني مقبلاً عليه مع الشيخ بشير حتى تهلل وجهه، وقال: تعال تعال يا عبد الله، فأسرعت إليه وقبلت يده ثم قال لي: اسمع يا بني ما مضى فات وانتهى ويجب أن نتفق الآن اتفاقاً جديداً، فنحن أولاد اليوم، ثم أخذ يكرر علي قوله: أعطوني حقي كاملاً أُعطِكم حقكم كاملاً. فقلت له: حاضر طال عمركم ثم قبلت يده وأخذت طريقي لأغادر المجلس فناداني وسألني: كم معاشك؟ فقلت له: مائة ريال فاستدعى الطبيشي وقال له: ضاعفوا معاشه مرة أي اجعلوا معاشه مائتي ريال وكان ذلك شيئاً عظيماً.
- ثم تدرجت في وظائف الديوان حتى أصبحت رئيس شعبة أتقاضى راتباً شهرياً مقداره ألف ريال. وظللت أعمل بالديوان حتى بلغت درجة معاون رئيس ديوانه، وسكرتير له.
- أما رحلتي مع الإِذاعة فترجع بدايتها إلى عودة الملك فيصل – يرحمه الله - من مؤتمر باندونج حيث رأى المسؤولون أن تكون هناك هيئة خاصة بالإِعلام، مهمتها أن تكون مسؤولة عن الإِذاعة وأن ترد إليها جميع الصحف. وكانت الإِذاعة في ذلك الوقت موجودة ومديرها الشيخ إبراهيم فوده، ومن أعلامها، وأقمارها الأستاذ طاهر زمخشري. وطلب المسؤولون إنشاء جهاز خاص بذلك فأنشئت "المديرية العامة للإِذاعة والصحافة والنشر" وانتقلت من الديوان. وجئنا إلى جدة وبدأنا العمل في غرفتين من إحدى الفلل القريبة من القصر، ثم انتقلنا إلى طريق المطار. وخلال عملي بالإِذاعة فإن هناك من الأشخاص من يستحق الشكر والتقدير وعلى رأسهم الأستاذ غالب أبو الفرج الذي كان الجزء المحرك في الإِدارة، وكان يعمل كل شيء يعمل ليل نهار، يبذل وينتج دون أن يفكر في نفسه. ومن أولئك المخلصين أيضاً الأستاذ عباس غزاوي، والأستاذ عبد الغني آشي والمستر إيدي الذي نلقبه "أبا الإِذاعة وأمها" كما لا أنسى الأستاذ عبد المقصود خوجه ولا أتذكر بكل أمانة وصدق أن الأستاذ غالب أو عبد الغني أو عبد المقصود قد طلب أحدهم أجراً إضافياً أو زيادة راتبه. وكان الخبير المالي عندنا الذي لا يعرف إلاَّ النظام والقانون هو الدكتاتور السيد علي فدعق.
- ولقد قدمت المديرية العامة للإِذاعة والصحافة والنشر خلال فترة قصيرة أعمالاً عظيمة. فقد منحت خمس عشرة جريدة حق الصدور. وأنشأت في كل سفارات المملكة مكاتب صحفية على حسابها تولّى مسؤولية الإِشراف عليها جميعاً الأستاذ غالب أبو الفرج. وقامت بإصدار نشرات بلغات متعددة تزوّد بها تلك المكاتب.
- ثم طلب الملك سعود - رحمه الله - أن تتحوَّل هذه المديرية إلى وزارة وأصدر مرسوماً يقضي بتعيين وزير دولة لشؤون الإِذاعة والصحافة والنشر ريثما تنشأ وزارة الإِعلام، وكلَّفني بأن أبذل الجهد في سبيل تهيئة كل الوسائل والإِمكانات للإِسراع بتجهيز المكنات والأجهزة اللازمة والمعدات الضرورية التي تتطلبها وزارة الإِعلام المزمع إنشاؤها، ولم ندَّخر وسعاً في بذل الجهد حتى استطعنا أن نؤسِّس البناية، ونستورد الآلات، والمعدات وكل ما من شأنه تثبيت دعائم هذا الصرح الذي حمل صوت المملكة إلى كل أقطار الدنيا. وحينئذٍ صدر مرسوم ملكي يقضي تحويل المديرية العامة للصحافة والإِذاعة والنشر إلى وزارة تحمل اسم وزارة الإِعلام، كما نصَّ ذلك المرسوم على أن أتولّى تلك الوزارة.
- غير أن ظروفي لم تمكنّي من الاستمرار فتركت العمل، وأطلقت لميولي الثقافية، وحب الاستطلاع، والرغبة الملحَّة في داخلي للاستزادة من المعرفة أن تنطلق جميعها، وأن تحطم أغلالها وتسيح في أرض الله الواسعة، فزرت الكرة الأرضية مرتين دون أن أركب طيارة مطلقاً، فكنت أخشى ركوبها وأستهين ركوب الأسد، لأني أعتقد أن ليث الشرى أوفى ذماماً منها.
- وكنت أكتب رؤوس أقلام كلما حططت بأرض استعنت بها فيما بعد فيما نظمت من ملاحم تاريخية وإسلامية سمعتم الليلة جانباً ضئيلاً منها. كما كنت أدوِّن وأثبِّت ما ألاحظه وأسمعه عن حالة الأقليات الإِسلامية في كثير من الدول التي تعيش بها أقليات إسلامية، وما تعانيه تلك الأقليات من ضنك المعيشة وسوء العذاب.
- وأعتقد أنني قد وصلت بكم في هذه الرحلة إلى بر الأمان والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
طباعة

تعليق

 القراءات :2191  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 24 من 126
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الدكتور سعد عبد العزيز مصلوح

أحد علماء الأسلوب الإحصائي اللغوي ، وأحد أعلام الدراسات اللسانية، وأحد أعمدة الترجمة في المنطقة العربية، وأحد الأكاديميين، الذين زاوجوا بين الشعر، والبحث، واللغة، له أكثر من 30 مؤلفا في اللسانيات والترجمة، والنقد الأدبي، واللغة، قادم خصيصا من الكويت الشقيق.