شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
(( كلمة المحتفى به الدكتور عبد السلام المسدي ))
ثم تحدث المحتفى به الدكتور عبد السلام المسدي فقال:
- بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.. أيها الحضور الكريم.. السادة الأجلاء.. اسمحوا لي في البدء أن أعبر عن شرفي وسعادتي بحضوري بينكم في هذه السنة الحميدة سنة الاثنينية، وأن أعبر عن شكري وامتناني لصاحب هذا البيت المعمور الشيخ عبد المقصود خوجه.
- لقد شرفني النادي الأدبي بدعوته لإِلقاء مسامرة أمام رواده الكرام، وكان مدار حديثنا إليهم حول مقولات النقد الأدبي الحديث، ولكن النقد الأدبي الحديث يرجع أمره في المعارف المعاصرة إلى جملة من العلاقات ارتبطت به حقول الاختصاص المختلفة، ولكن منبعه الأم إنما كان علم اللغة الحديث أو ما يطلق عليه بعلم اللسانيات.
- وقد قام هذا العلم الحديث محاولاً على مستوى الفكر الإِنساني المعاصر أن يعيد طرق تناول الظاهرة اللغوية فيما يخص مناهج البحث وفيما يخص تقديرات المبادئ الأولية.
- يعرف علم اللغة الحديث بأنه الدراسة العلمية للكلام البشري ويحاول رواد اللسانيات أن يدرسوا الألسنة البشرية دراسة تكون في مأمن عن كل تقدير مسبق فيما يخص قيمة اللغة البشرية. ولا يمكن لنا نحن أبناء الضاد أن نتعامل مع هذا العلم الناشئ الغازي المكتسح لمختلف أنواع المعرفة البشرية المعاصرة من الموقع الذي يتعامل معه به بقية أبناء الأمم البشرية كما لا يخفى عليكم، ذلك أننا نستجمع إرثاً لم يجمع لأحد غيرنا، ونحتفظ من تراثنا برصيد من المباحث اللغوية لعلها تعزّ في كل حضارات الأمم الأخرى، كيف لا وقد كان منطلق البحث في لغة العرب حفظ مقاصد الشريعة؟ كيف لا وقد كان القرآن الكريم منبع كل العلوم والمعارف في الحضارة العربية الإِسلامية وعلى رأسها علوم اللغة؟.
- إن العلم الحديث في المباحث اللغوية، هذا الموسوم باللسانيات قد جاء يحقق ما قَصُرت عنه كل علوم الحضارات الأخرى في الظاهرة اللغوية، وجاء مرسياً قواعد البحث العلمي وقواعد البحث الموضوعي فيما يتصل بالكلام البشري عامة. ونحن إذ نستفيد من هذا العلم الناشئ لا ننفك نراجع ما تركه لنا أجدادنا من ثروة في الفكر اللغوي والفكر الحضاري.
- وفي مساق تأصيل هذه المعرفة الحديثة لا يغيب عنا اليوم أن اللسان العربي قد درسه أهله الدرس المستفيض، الذي أتوا فيه على كل خصائصه ودقائقه، درسوه وهم يؤسسون لقواعده وقوانينه حفظاً له من التغير والانسلاخ عبر التاريخ، ودرسوه وهم يستكشفون ما به من أسراره التي كانت قوائم إعجاز النص القرآني، ودرسوه وهم يستكشفون في دراستهم إياه كيف السبيل إلى إبداع الأدب والشعر والنثر في هذا الذي قاله العرب؟.
- غير أن الدراسات المعاصرة منذ فجر النهضة أو ما يطلق عليه بفجر النهضة، قد عكفت على استكشاف البحوث اللغوية العربية. فاستُخلصت عصارتها في كل جداول الفكر اللغوي بكل أفنانه المختلفة، وكان هم الباحثين منصباً على علوم اللغة العربية أو على حد ما اصطلح عليه بعض رواد التصنيف العلمي في تاريخ حضارتنا علوم اللسان العربي.
- فأين موقعنا نحن اليوم من هذا الإِرث الفكري اللغوي؟ وأين موقعنا نحن اليوم من هذا العلم اللغوي الحديث، علم اللسانيات؟ لقد اطّرد الظن عند أبناء الأمة العربية المعاصرة أن ما تولد من فائض المعرفة الإِنسانية فيما يعرف أو يطلق عليه جزافاً بالعالم المتقدم إنما هو الضرورة القصوى التي بها يمكن أن يجرد الفكر العربي المعاصر تراثه وازدهاره الحضاري.
- ومن أبناء اللغة العربية من نهلوا من منابع هذه المعرفة المستحدثة، ومنهم من حاول أن يربط بين هذه المعارف المعاصرة وما حمله له تراثه ولا سيما في حقل العلوم اللسانية كما أسلفنا، لكن ثغرة ظلت قائمة في هذا الذي حصل من جهود على يد أبناء اللغة العربية أنفسهم.
- لقد فكر العرب في لغتهم، وضبطوا قوانينها ورسموا معالم بنيتها بمراتب مختلفة ومتراكبة.
- درسوها صوتاً وصرفاً ونحواً، ودرسوها مدونين مادتها اللغوية. غير أن ما ورد من نفثات التفكير اللغوي في غير التراث اللغوي لم يلتفت إليه الكثيرون. إن الذين فكروا في اللغة في تاريخ حضارتنا العربية الإِسلامية لم يكونوا اللغويين وحدهم، لكن البحوث المعاصرة فصلت فصلاً متعسفاً بين ما جاءنا على أيدي اللغويين وما جاءنا على لسان غير اللغويين في هذا التراث.
- وكان أن اهتممنا باستخراج هذا المنسي من التراث، هذه الجداول التي جاءت مبثوثة في مظان أمهات الكتب من تراثنا العربي الإِسلامي، دون أن تكون في وسمها الأول من مصنفات اللغويين.
- وكانت المفاجأة العلمية، بل كان السرور المعرفي يوم وقفنا على أن خلاصة الفكر اللغوي في الحضارة العربية الإِسلامية إنما هو ذاك الذي لم يأت في مصادر اللغة بالدرجة الأولى، وإنما جاء في جداول التراث الأخرى.
- فالفلاسفة وفي مقدمتهم المناطقة قد فكروا في اللغة واستخرجوا لها قوانين تنسحب على اللسان العربي وتنطلق منه إلى كل الألسنة البشرية.
- وكذلك فعل علماء الكلام كما فعل علماء أصول الفقه، وكذلك فعل الأدباء والنقاد؛ كل أولئك قد استوقفتهم اللغة بأسرارها وغرائبها، ففكروا في نواميسها العامة ودونوا عصارة تفكيرهم دون أن يكونوا متقيدين بنحو أو صرف أو دلالة المعاجم.
- هذه الجداول من الفكر اللغوي المبثوثة في مظان التراث بمختلف مناحيه، هي التي إذا استخرجناها وعملنا على التأليف بين مشاربها مستعينين طبعاً بما جاء به اللغويون ولا سيما علماء أصول النحو منهم، استطعنا أن نكوِّن مقوّمات النظرية اللغوية عند العرب، واستطعنا أن نبين كيف يرتقي الفكر اللغوي العربي إلى مرتبة التفكير في الظاهرة اللغوية البشرية إطلاقاً دون تخصيص باللسان العربي ذاك التخصيص النوعي.
- وفي هذا تكمن فلسفة العرب اللغوية، وفي هذا يمكن أن يستخرج الباحث المعاصر بعد أن يكون قد استلهم مقومات المعرفة اللسانية المعاصرة كما عرفت عند أهلها. يمكنه بهذا الذي ذكرنا أن يقرأ تراثه العربي الإِسلامي قراءة تفضي به إلى أن يقدم ثمرة هذا التفكير الخصيب، هذا الجدل الذكي الذي دام سبعة قرون، طيلة القرن الثاني إلى القرن الثامن مع ابن خلدون.
- والنظرية اللغوية عند العرب بهذا المنهج المستوحى، هي التي إذا قرئت بمنظار مقولات العلم المعاصر تمكن الباحث العربي اليوم من أن يقدم على مستوى الحضارة الإِنسانية إسهام العرب قدماء ومحدثين في هذا الجدل الكوني، في هذا الجدل البشري العالمي حول أسرار الظاهرة اللغوية. وإذ قد بان لعلماء اللسان المحدثين أن علمهم ينشد دراسة اللغة بوجه علمي، وإذ قد بان لهم أن دراسة الألسنة البشرية بمختلف أصنافها وأسرارها وفصائلها إنما مقصدها الأقصى أن تُستخلص القوانين العامة التي لا تحكم لساناً ما من ألسنة البشر دون لسان آخر، وإنما تلك التي تحكم الألسنة البشرية إطلاقاً ما مضى منها واندثر أو ما زال قائماً.
- وهذه القوانين العامة هي التي اصطلح عليها علماء اللسان الحديث بمبحث الكليات اللغوية، تلك القوانين التي إذا أطلقت صدقت على كل لسان بشري، بل وعلى كل كلام فردي في نطاق أي لسان بشري من الألسنة.
- هذا المنزع في البحث العلمي والذي كما أسلفنا من باب الاستطراد، والذي للعربي اليوم أن يقدم فيه زاداً للبشرية عامةً، إذا ما استوحى بمقولات العلم الحديث قارئاً تراثه قراءة نقدية متجددة، هذا العلم الحديث قد كان له من السلطان في المعارف المعاصرة ما جعله يغزو حقول المعرفة الإِنسانية قاطبة.
- وقد حدث ذلك منذ مطلع القرن العشرين، وكان أول حقول المعرفة تأثراً بمقولات العلم اللغوي الحديث [نعني اللسانيات] هو مجال النقد الأدبي.
- ذلك أن اللغوي المعاصر يتناول اللغة متوسلاً إليها بأساليب الفحص الموضوعي العلمي، ولكنه في نفس الوقت ينشد أن يكتشف أقصى ما في هذه الظاهرة البشرية التي هي اللغة من أسرار ومكنونات.
- ولكنه يقف وهو يستكشف اللغة أمام نمط من أنماط تجليات اللغة وهو نمط الفن القولي، أعني الأدب سواء صيغ صياغة الشعر أو صيغ صياغة النثر.
- وفي هذا المنعطف المعرفي بان لعلماء اللسان المحدثين أنهم يظلون قاصرين عن إدراك أسرار اللغة ما لم يستبينوا أسرار تكشف اللغة أدباً: شعراً كان أم نثراً، وباهتمامهم بما أصبحوا يسمونه الخطاب الأدبي جَرُّوا إليهم حَمَلة النقد والمهتمين بشأن الأدب، وأصبح الاهتمام بمقولات العلم اللغوي الحديث في مقدمة مشاغل علماء النقد الحديث، حتى توازى بين هؤلاء وأولئك قلق الفكر وحيرة المعرفة، فآلى النقاد المعاصرون على أنفسهم أن يحولوا معرفتهم الأدبية على النمط الذي حول به اللغويون معرفتهم للألسنة البشرية. فمثلما أن علماء اللسان الحديث أصبحوا يفاخرون بأنهم وهم من حقل العلوم الإِنسانية، تلك التي تعرف بالنسبية أكثر مما تعرف بالمنهج الدقيق الصحيح، أصبحوا يتناولون موضوع علمهم وهو اللغة بفحص علمي موضوعي دقيق لا مجال للاحتمال ولا للتشكك فيه.
- تساءل أهل النقد وقالوا لم لا يكون لنا ولعلمنا شأن مثيل بشأن علماء اللغة مع اللغة؟.
- وعندئذٍ بانت حيرة علماء الأدب في أن يُصيروا النقد الأدبي علماً من العلوم له ضوابطه وله معاييره، بل له كلياته التي يبحث عنها على حد مبحث اللغويين في باب الكليات. وعند هذا الحد من مخاض المعارف الإِنسانية المعاصرة أبرز النقد الأدبي معرفة دقيقة تنشد الصحة والضوابط مثلما حصل في قطاع العلوم الإِنسانية الأخرى.
- ومع هذه المرحلة من تطور المعارف المعاصرة سلم أهل النقد بأن منهج تعامل النقاد مع الأدب قبلهم قد كان يخلط أهله بين مرتبتين من مراتب اللقاء بالأدب أو بما يعرف بالنص الأدبي، سواء أجاء على نمط القصائد الشعرية أو النصوص النثرية، وهذا الفارق بين مرتبتين من مراتب اللقاء هو الذي يعبر عنه بمرتبة الذوق الأدبي عند من يصغي إلى شعر أو نثر، ومرتبة الكشف الموضوعي عن أسرار هذا النص الأدبي.
- بل إن مدار مفهوم علم النقد الحديث هو التساؤل عن الحوافز التي جعلت اللغة تتشكل على نمط من البناء، به تتحول من مجرد اللغة التي يتحدث بها وتقضي بها المآرب إلى لغة تؤثر في سامعها تأثيراً فنياً.
- وبعد هذه الجولة من مراحل قصة الموضوعية بين اللغة والأدب التقى علماء اللسان وعلماء الأدب، وهذا ما يفسر تمازُج الاختصاص بين مشاغل اللغويين المعاصرين ومشاغل النقاد، نقاد الأدب بل هذا هو الذي يفسر في بعض ما يفسره كيف يعكف عالم اللسان اليوم على استكناه حقائق الظاهرة اللغوية من خلال أحد تجلياتها ألا وهو تجلي النص الأدبي بشعريته.
- إن علم النقد المعاصر إن كان يطمح إلى هدف فإنما يطمح إلى أن يمسك يوماً بتلابيب الظاهرة الأدبية، أو بما أصبح يسمى بأدبية النص الأدبي، هذه السمة التي بها يمكن لكل لسان بشري وبتعميم قاطع مطلق أن تتحول مادته الخام التي هي الألفاظ معزولة في بعض تركيباتها إلى أدب يُلْقَى فيستدرج فيؤثر فيقول عنه متلقيه إنه سحر حلال.
- إن هذا الذي كان مطلقاً على ألسنة البشر، وهذا الذي يعطي اللغة أحد أبعادها التي عاشتها بالممارسة، إن هذا هو الذي يقوم اليوم علم النقد الحديث محاولاً عقلنة الظاهرة الأدبية من حيث نعني قدرة العقل على أن يمسك بهذه السمة الأدبية في القول الشعري.
- إن علم النقد الحديث بمختلف توجهاته وعلى مضارب مدارسه المتباينة ليس له من مقصد إلا أن يمكن الناقد من إدراك السبل التي يُدخل بها النص الأدبي فيما يشبه مخبر التحليل، ليستكشف المقومات العلمية الموضوعية الصارمة حتى يفهم الأدب، ويُفهم كيف تحولت اللغة إلى أدب. وموقع عالم اللغة اليوم من مجال النقد الأدبي هو موقع العالم المساعد، وذاك أن علوماً كثيرة تقوم اليوم على أساس ما يسمى بالمساعدة، وكلنا يعلم أن الطبيب الذي يفحص زائره ويحاول أن يشخص مقومات الجسم أو البدن بأعراضه أو بسماته وسلامته، إن هذا الطبيب في العصر الحديث قلما يستقيم معه طبه وعلمه بمفرده في معزل عن علوم مساعدة. إن الطبيب اليوم لا يمكن أن يجزم بتشخيص ما هو مدعو إلى تشخيصه إلا إذا التجأ إلى التحاليل العضوية وإلى كشوف الأشعة، وإلى عديد من العلوم المساعدة. فدور عالم اللسان اليوم من حقل النقد الأدبي هو دور ذلك العالم المساعد الذي يدخل النص الأدبي لتحليل مقوماته اللغوية فيشخصها ثم يقدمها لناقد الأدب حتى يحسم أمر النقد في شأنها.
- لقد طاف بنا الحديث فيما سامرنا الإِخوة الكرام البارحة فيه بما اصطلحنا عليه مقولات النقد الحديث، ولم نُعَرِّجْ على تولد هذه المقولات من حقول المعرفة المعاصرة بعضها من بعض، ولكن الفرصة السانحة الليلة هي التي تضيء خفايا اللقاء بين نمطين من أنماط المعرفة المعاصرة: نمط النقد الحديث ونمط علم اللغة الحديث.
- غير أن علاقة الباحث بالنص الأدبي اليوم قد فارقت ما كانت عليه من بساطة نحن أشد الناس علماً بها كما لا يخفى على حضرتكم. فالنقد الأدبي كما تداوله أهلنا تمتزج فيه سمة الذوق وسمة التعبير عما وقع تذوقه من الأدب، وقلما يفصل النقاد بين منزلة تلقي الأدب بمؤثراته ومرتبة التعبير عن ذلك الذوق الذي حصل لهم. وشأنهم مع الأدب شأن عالم اللغة مع لغته تماماً، فالذي يمارس اللغة بالملكة ويتحدث بها على السليقة ليس مدعواً بالضرورة إلى أن يعي في كل لحظة من ممارسته اللغوية خفايا قوانين تلك اللغة، ومعلوم لدينا بالبداهة كما قال أجدادنا منذ القديم: إن كل لسان بشري لا يستقيم أمره إلا إذا كان قائماً على قواعد وقوانين. والمتحدث من العرب اليوم بأي لهجة من لهجات العروبة لا شك أنه يمتثل من حيث لا يعي إلى جملة من القوانين ومن القواعد، لو عكف عليها الناظر والدارس لاستخرجها في جملة من دساتِر النحو والصرف والأصوات. غير أن الحديث عن اللغة يمثل درجة تختلف عن ممارسة اللغة، وقديما كما تعلمون دخل الأعرابي على مجلس الأَخْفَش وهم يتناقشون في النحو وما إلى النحو من قضايا، فقال قولته التي تعرفون: أراكم تتحدثون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا. فشأن عالم الأدب وهو يتناول الظاهرة اللغوية بمنزع عقلي شأن عالم النحو قديماً عندما أراد أن يدرس اللغة العربية، وقد كانت تتحدث على السليقة على ألسنة أهلها.
- ولا يعزب عنا في هذا المجال أن نتطرّق إلى معضلة فكرية تقوم اليوم بدءاً بالنقد ومروراً بالأدب فيما يطلق عليه بمصطلح الحداثة. فمنزع البحث بمنطق عقلي في الشعر والنثر قد خيل إلى بعضهم أو قد خيل بموجبه إلى بعضهم أن العلاقة المنطقية بين الناقد والأدب يمكن أن تتحول إلى علاقة منطقية بين قائل الشعر وشعره. وراح بعضهم يصوغ شعراً ضارباً في متاهات الألغاز، مدعياً أن ذلك الشعر إنما هو من قوام الحداثة. والذي نؤكده بل إن الذي ما ننفك نؤكده، هو أن علاقة الناقد مهما جدت طرافة أساليبه، إن علاقة الناقد بالنص الأدبي يجب أن تكون في بدئها وبشرط قاطع جازم علاقة ذوق سليم متأصل في التشبع بروح الأدب، فلما لم تسلم علاقة الناقد بالقول الأدبي في منطلق اتصاله بالنص الأدبي، فإن قوله النقدي ذاك الذي هو قول على قول سيظل مشوهاً لأنه مُنْبَتّ عن علاقة الارتباط التلقائي بين الذوق والأدب، وفي هذا تكمن معضلة النقد الحديث هذا الذي تسرب في واقعنا العربي المعاصر، بل هذا الذي قد استفزّ من وجاهة ردود فعل سُمِّيتْ بردود تقليدية، وما شأنها بالتقليد إلا شأن من ينتصر للقيم الأصيلة في علاقة الإِنسان بالأدب. ويتأكد ما نقوله في واقعنا العربي بوجه مُلِحّ، لأن ما يربط العربي بالأدب إنما هو صورة من صور ما يربطه بلسانه لغة الضاد. فلئن جوزت بعض الأمم لنفسها أن تتحرر من قيود البناء اللغوي، وأن تتصرف في القول الأدبي شعراً ونثراً تصرفاً يحطم مراتب المعيار الأصيل في بناء اللغة، فإن العربي بحكم علاقته التاريخية والروحية مع لسان لا ينصاع أبداً إلى هذا الضرب من التصرف ومن هدم بناء المعيار اللغوي السليم.
- فإذا رمنا أن نَستجمعَ حصيلة ما يمكن لنا نحن أبناء اللغة العربية أن نفيد به في حقل الحداثة النقدية بالاستناد إلى الحداثة اللغوية في المعرفة المعاصرة عامة، تَعَيَّنَ علينا القول بأن أسس تكوين الناقد العربي اليوم هي التي تقتضي أن يتأصل تكوينه في منابت الحضارة العربية الإِسلامية من حيث الأدب، وفي منابع الفكر اللغوي العربي من حيث المعرفة المجردة الذهنية المطلقة.
- ثم إن من شرط سلامة علاقة الناقد العربي اليوم مع أدبه عبر أساليب الحداثة، أن يستلهم مقومات الذوق الأدبي ليكون في مرتبته الأولى سامعاً للأدب قارئاً له متذوقاً إياه، قبل أن يتحول إلى مُعقلن للأدب، وإلى متعامل منطقي مع الظاهرة الأدبية. عندئذٍ فحسب يتسنى للمنهج الحديث بكل مقوماته العلمية والموضوعية وحتى التشكيلية الصورية كما يرد على أيدي بعض البنيويين؛ عند ذلك فحسب يمكن للناقد الأدبي أن يقنع قارئه بأنه إذا ما حول عملية النقد إلى علم قائم الذات، فإنما ذلك منه اعتراف بأن الظاهرة الأدبية تدرك بغير العقل ولكن العقل قادر على أن يبرهن على وجود ما قد أدرك بغير العقل.
- في هذا السياق ولخاتمة المطاف وقد أطلنا؛ فالمعذرة لا يسعنا إلا أن نعيد ربط ما قد يبدو مشتتاً. فأصالة البحث في منطلقه إنما هو من مقومات اللغة وعلم اللسان الحديث قد جاء باحثاً عن مقومات العلم بكل أبعاده الموضوعية في استكشاف أسرار الظاهرة اللغوية. ولنا نحن العرب مع هذا العلم حظ هو حظ سائر الأمم مع المعارف على مستواها الكوني وبدون تخصيص، لكن هذه المعرفة الحديثة بل هذه المعرفة الغازية المكتسحة لكل حقول المعرفة لا ينفك أهلها يعودون إلى مواريثهم بالقراءة المتجددة وبالمعاودة الدائمة من مواريث اليونان إلى مواريث اللاتينيين إلى مواريث الهنود والبيزنطيين. وفي هذا المفترق الحضاري ينبري التراث العربي مَعْلماً من معالم المواريث الإِنسانية، فحرام أن تبقى نوافذه مغلقة على الفكر البشري المعاصر، ولا أحد بقادر على أن يبتعث أسرار هذا التراث وكنوز مظانه غير أبناء اللغة العربية أنفسهم، وعندئذٍ تتضح الرسالة العلمية بدءاً، ولكنها الرسالة الحضارية الفكرية في أوج تطورها تنبري الرسالة التي على أبناء اللغة العربية أن يؤدوها لا للغتهم ولتراثهم فحسب بل ليقدموها عطاءً وخدمة للفكر الإِنساني عامة. فإذا تأصلت بحوث اللغة واتضحت مراسم التعامل العقلي مع اللغة أمكن عندئذٍ للعربي أن يعيد سبل التناول فيما يخص النص الأدبي، وأمكنه أن يستثمر سبل الحداثة النقدية وأن ينصاع إلى تعاليم علم الأدبية المعاصر، ولكنه من موقع المساهم في هذا العطاء، من موقع المفكر في مادة الشعر والنثر والمتفحص لأسرار الأدبية لا كما تأتيه جزافاً من لدن غيره، وإنما كما عاشها ويعيشها الفرد العربي سابقاً وحاضراً، ذلك أن منزلة القول الأدبي في نفس العربي هي قطعاً غيرُ منزلته في نفوس غير العرب.
- وإذا كانت الحضارات منذ القديم تصنف بسماتها الغالبة، بل إذا كان الله سبحانه وتعالى قد كان في تمكينه رسله من معجزات يجمع بين طبيعة المعجزة وطبيعة ما عرف القوم الذين يرسل إليهم الرسول، وبهذا المنطق كانت طبيعة معجزة سيدنا موسى من جنس ما اشتهر به القوم الذين أرسل إليهم، إذ لا معنى للمعجزة إن لم تكن قائمة على الفعل الإِعجازي ولا معنى لفعل الإِعجاز إن لم يكن قائماً على التحدي، ولا دلالة للتحدي إن لم يوجه إلى من هو مظنون فيه أنه قادر على الفعل المُتحدَى به.
- ومن هذا النمط كانت معجزة سيدنا عيسى عندما بعث لقوم اشتهروا من بين ما اشتهروا به بالطب في مدرسة جالينوس في فلسطين، فكانت معجزته أن يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى.
- وفي هذا المجال كانت أم المعجزات على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أنها نص لغوي أولاً وآخراً. من هذا النمط وفي نفس السياق كانت المعجزة الكبرى معجزة سيدنا محمد القرآن الذي هو دستور الشريعة، ولكنه أيضاً نص بياني قد تحدى العرب فأعجزهم بذاته نصّاً ومضموناً.
- قلنا قبل الاستطراد إن علاقة العربي بأدبية النص بل بإعجاز النص إطلاقاً لا يمكن أن تضاهي علاقة غير العربي بمالهم من آداب وفنون. فيتعين مرةً أخرى أن يكون العربي في تعامله مع علم النقد متميزاً عما يَطَّرِدُ عند غيره من الأمم بآدابها المختلفة.
- وإذا كان التعامل على مستوى المعرفة والعلم هو من نوع تعامل الفكر مع موضوع العلم على حد ما تأسس علم الفقه وعلم النحو في تاريخ معارفنا الإِسلامية، فإن العلم ما إن ينضج حتى تنبري العقول مفكرة في قواعده وأسسه لتحوله إلى منطق منسجم داخل كيانه.
- وبهذا المقياس لمَّا نضج علم الفقه في تاريخ معارفنا الإِسلامية قام سنداً له ما عرف بأصول الفقه، وأصول الفقه بقراءتنا المعاصرة إنما هو ضرب من فلسفة العلم وضرب من البحث في أصول العلم. وكذلك فعل اللغويون بعد أن أرسوا قواعد علم النحو، راحوا يبحثون عن قواعد تأسيس العلم فأسسوا علم أصول النحو. وكذلك نحن اليوم مدعوون بعد أن نأخذ الأدب وبعد أن نتذوق الأدب، أو كما يقول المصطلح المعاصر بعد أن نستهلك الأدب لا بطلب هلاكه على حد صيغة الصرف وإنما بالتمتع به، بعد أن نؤسس الأدب ونتذوقه نحن مطالبون أن نؤسس له منطقاً يكون بمثابة أصول النقد في معرفة علمية موضوعية تلك التي ينشدها العلم الحديث.
- وشكراً على إصغائكم وأعتذر عن الإِطالة.
 
 
طباعة

تعليق

 القراءات :2210  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 24 من 187
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الدكتور سعد عبد العزيز مصلوح

أحد علماء الأسلوب الإحصائي اللغوي ، وأحد أعلام الدراسات اللسانية، وأحد أعمدة الترجمة في المنطقة العربية، وأحد الأكاديميين، الذين زاوجوا بين الشعر، والبحث، واللغة، له أكثر من 30 مؤلفا في اللسانيات والترجمة، والنقد الأدبي، واللغة، قادم خصيصا من الكويت الشقيق.