شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
(( كلمة المحتفى به الدكتور صلاح الدين المنجد ))
وتحدث الدكتور صلاح الدين المنجد بعد أن أحال إليه عريف الحفل اللاقط ليرحل بالحاضرين معه في سفينة ذكرياته فقال:
- بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
- يُسعدني أيّها الإِخوة، أن أجتمع إليكم في هذه الأمسية، ويطيب لي أن أبدأها بشكرٍ أجزيه للأستاذ عبد المقصود الذي يسّر لنا، بنبله وأريحيّته هذا الاجتماع. وإن شكري له لا حَدّ له، لأنه بادرني، دون معرفة سابقة، بدعوته وعنايته وحفاوته.
- ولقد ذكّرتني هذه الحفاوة، بعادات الدمشقيين القدماء الذين كانوا إذا حلّ ببلدهم عالم من بلد أو قطر آخر، سارعوا للسلام عليه، وأحاطوه وغمروه بحبهم وعطفهم وعنايتهم، بل وإكرامهم.
- وقد تحدّث المؤرّخ "المَقَّري" (1) _ صاحب كتاب "نَفْح الطّيب من غُصْن الأندلس الرّطيب" عن عادات الدمشقيين هذه، عندما زار دمشق. حتى أنّ هؤلاء الزائرين كانوا ينْسَوْن أمام تلك الحفاوة الملأى بالحبّ والتكريم، أنهم غُرباء. ولقد أحسسْتُ فعلاً أن عبد المقصود أخ، وربّ أخٍ لم تلده أمّك، وأنه كأهل دمشق الأصليين في نُبل أخلاقه. ولا ننسى أنه عاش مدة غير قصيرة في دمشق أيضاً.
- لقد شاء الأخ عبد المقصود أن أحدّثكم عن نفسي. فتردّدتُ بادئ الأمر، لأن الحديث عن النفس مبغوض، ولكن بعد تفكير في الأمر، رأيت أن الحديث عن النفس قد يكون بالعكس محبوباً وطريفاً. لأنّ هذه الأحاديث تكشف لنا أسرار النفوس الإِنسانية وما مرّ بها من تجارب أو نعيم وشقاء. وقد رأيت كثيراً من علمائنا الأقدمين قد كتبوا تراجم ذاتيّة لأنفسهم، وقد ألّفتُ كتاباً عنهم سمّيْته (التراجم الذاتيّة في التراث العربي). ومن هؤلاء ابن سينا، والواقدي المؤرخ، والإِمام ابن الجوزي، والأمير البطل أسامة بن مُنْقِذ، والمؤرخ الفيلسوف ابن خلدون، وغيرهم. ولا أُخفي عنكم أني أجد لذة كبرى في قراءة هذه التراجم الذاتيّة وأفيد منها فائدة عظيمة.
- لذلك فسأتحدث إليكم وآمل أن لا تملوا حديثي.
- ولدت في دمشق، في حيّ مشهور جداً هو حيّ القيْميرِيّة، جنوب المسجد الأموي، في زُقاق الصوّاف. وأسرتُنا قديمة جداً بدمشق، وما يزال في مقبرة الباب الصغير قبر "أبي جدّي"، وعلى شاهد القبر أنه توفي سنة 1260 هجرية. وكان جدي محمد سليم من أعيان دمشق وكبار تجارها، وكانت تجارته بين دمشق والحجاز. فأرسل أحد أعمامي واسمه محمد خليل إلى مكة يُدير الأعمال فيها. وتوفي رحمه الله بها. وما يزال أحفاده أبناء عمنا فيها. أما والدي عبد الله فقد انصرف، رحمه الله، منذ شبابه إلى العلم فحفظ القرآن الكريم على الشيخ محمد الشرقاوي المصري، ثم جمع القراءات السبع على الشيخ المقرئ الأستاذ أحمد دهمان، وحفظ الشاطبيّة، ثم حفظ الدرة، وهو ما يُسمى بالقراءات العشر الصغرى، ثم عكف على طلب العلوم الدينية: فدرس العربية والتفسير والحديث والفقه الشافعي على الشيخ بكري العطّار وأجازه بذلك كلّه، وقرأ صحيح البخاري وصحيح مسلم وبقية الكتب الستة على مفتي الشام الشيخ عطاء الله الكسم، وأجازه كما أجازه محدّث الشام الشيخ بدر الدين الحسني. والشيخ عبد القادر القصّاب، والشيخ أحمد البرزنجي مفتي المدينة المنورة، والشيخ محمد صالح الآمدي مفتي آلاي المدينة المنورة أيضاً.
- ثم أراد رحمه الله أن يجمع القراءات العشر الكبرى، بمضمّن الطيّبة والنشر، وهو ما يُسمى القراءات الأربع عشرة. فأخذ ذلك عن الشيخ شرف الدين موسى المصري وكان الوحيد بدمشق الذي يعرفها. فتمّ له بذلك رئاسة الإِقراء بدمشق. وكان أول من تلقّى العشر الكبرى من علماء دمشق. وكان شيخ القراء والمقرئين فيها.
- وهكذا نشأتُ في بيت يرفرف عليه القرآن الكريم. وتجدون ترجمة كاملة لسيدي الوالد وشيوخه وتلاميذه في ذيل كتاب دور القرآن بدمشق، الذي حققته ونشرته ذكرى له.
- كانت دراستي الابتدائية في مدرسة (البحصة) وهي مدرسة مشهورة. أما الثانوية فقد بدأت فيها في (مكتب عنبر) ثم انتقلت إلى الكلية العلمية الوطنية. وكان لي الحظ فيها أن أتتلمذ على عالمين كبيرين هما: العلاّمة الشيخ محمد بهجة البيطار، والشاعر الكبير الأستاذ خليل مردم بك. وبعد نيلي الشهادة الثانوية انتسبت إلى دار المعلمين العليا، وكان من أساتذتي فيها الدكتور كامل نصري المربي الشهير، والدكتور خالد شاتيلا. فلما تخرّجتُ منها عيّنتُ سكرتيراً للتعليم العالي والفني في وزارة المعارف. وكان ينبغي أن أذهب إلى مدرسة ابتدائية أعلّم فيها. لكن أستاذي الدكتور شاتيلا انتقل من دار المعلمين إلى وزارة المعارف مديراً للتعليم العالي، فنقلني معه إلى الوزارة. وطمحت نفسي إلى ما هو أعلى من التعليم والسكرتارية. فانتسبت إلى معهد الحقوق، كي أدرس القانون ففعلت. وكان حامل الليسانس في الحقوق يَسْهُل عليه الانتساب إلى أي وزارة من الوزارات. وكان من أساتذتي في كلية الحقوق أعلام كبار كالعلاّمة الشيخ أبي اليُسْر عابدين، والأستاذ عبد القادر العظم عميد الجامعة، والأستاذ فايز الخوري، والدكتور سامي الميداني، والأستاذ سعيد المحاسني. وقضيت ثلاث سنوات في كلية الحقوق. ثم أخذت أتدرّج في وظائف مختلفة كنت بادئ الأمر سكرتيراً للتعليم العالي. ثم رئيساً لديوان وزارة الإِعاشة، ثم رئيساً لديوان مديرية الآثار القديمة، بعد مسابقة أُجريت وكنت الأول فيها، ثم مديراً للآثار بالوكالة، ثم مديراً للعلاقات الثقافية والبعثات في وزارة المعارف. وتاقت نفسي إلى نيل الدكتوراة. فأوفدتُ في بعثة إلى باريس وهناك حصلت على الدكتوراة في القانون الدولي العام، وفي التاريخ. وتابعت دروساً في علم المكتبات وعلم الخطوط (الباليوغرافيا)، وتردّدت على متحف اللوفر لدراسة الفن الإِسلامي.
- وعندما عُدتُ رُشّحتُ للعمل في جامعة الدول العربية فكنت مديراً لمعهد المخطوطات العربية ثم مستشاراً. وكانت السنوات التي قضيتها في المعهد، من أخصب السنوات في حياتي عملاً وإنتاجاً. وقد أتاحت لي زيارة مكتبات العالم التي تحتوي مخطوطات عربية وانتقاء الجيد منها، وتصويره بالميكروفيلم ليكون في المعهد يَرْجِعُ إليه العلماءُ والباحثون. وبقيتُ في الجامعة العربية حتى عام 1961م وقد أصبح لمعهد المخطوطات شهرة عالمية في البلاد العربية والغربية. ولي كتاب اسمه "ست سنوات في معهد المخطوطات" لم يُطبع بعد، ذكرت فيه بتفصيل أعمالي فيه.
- أما ثقافتي فهي ثقافة متنوعة. كان الأقدمون يصفون الذي يحيط بجميع العلوم، ويأخذ بطرفٍ من كُلٍّ منها بأنه عالم "مُشارك" وكان يُعجبني هذا الاسم، فبدأتُ حياتي أديباً. ملتُ إلى الأدب وتأثرت بالرسالة وبالزيّات رحمه الله. وقرأتُ عدداً كبيراً من كتب الأدب العربي القديم. وكان لأستاذنا خليل مردم بك الذي كان يدرّسنا الأدب العربي في الكلية العلمية الوطنية ويحبّبنا فيه فضل في ذلك. وكان لي ذاكرة قويّة، كنت أحفظ كل يوم صفحات من أقوال الأدباء وشعر الشعراء. وبدأت أنشر في الصحف وأنا في التاسعة عشرة من عمري. وتاقت نفسي أن أرى اسمي بين كُتّاب الرسالة وكان يكتب فيها طه حسين، وأحمد أمين، والرافعي والعقـاد، وسيد قطب، والطنطاوي، وزكي مبارك وغيرهم، فكتبتُ يوماً مقالة جهدتُ في تنقيحها وزوّقتُها على الطريقة الزيّاتيّة، وأرسلتُها إلى الأستاذ الزيّات، ورجوته أن ينشرها إذا كانت تصلُح للنشر. وبقيتُ أسبوعين أتقلّبُ على الجمر وأتساءل: هل تُنشر أم تُرْفض. وذات يوم فوجئتُ برسالة من الزيّات يُثني فيها على المقال ويطلب أن أُرسل له صورتي لأنّ المقال سيُنْشر في العدد الممتاز الهجري. فاضطربتُ وقلتُ: إذا أرسلت له صورتي سيرى أني ما زلتُ فتى، ولستُ من طبقة الأدباء الكبار، الذين يكتبون في الرسالة. وقد يشكّ أني أنا كاتب المقالة.
- وجابهتُ الأمر، وأرسلت صورتي الطبيعيّة وبعد أسبوعَيْن أو أكثر قضيْتها وأنا مُضطرب البال، دائم التفكير، وصلت إليّ رسالة من الأستاذ الزيّات، يوافق فيها على المقالة ويُثني عليها. فكان ذلك عيداً عندي. وكان هذا المقال بداية عهدي بالكتابة في (الرسالة)، وانطلاقي في الأدب. وكان لي في الرسالة ثم في مجلة (الثقافة) مقالات كثيرة.
* * *
ثم حدث حادث جعلني أهتم إلى جانب الأدب، بالتُراث والتاريخ. وكان حادثاً هاماً في حياتي الثقافية. ذلك أن الأستاذ محمد كردعلي، رحمه الله، رئيس المجمع العلمي العربي، ومؤسسه، - وكان أكبر عالم عندنا في دمشق - ألقى عام 1940م محاضرة في الجامعة السوريّة، عن (مميزات بني أميّة). فذهبت لسماعها. وكنت يومئذٍ أتدفق بالنشاط والحماسة، ويُخالطني الغرور. فأردت أن أنتقده في أمور. وكان من الجرأة البالغة أن ينتقده إنسان. فكتبت مقالة في نقد المحاضرة، وأرسلتُها إلى الأستاذ الزيّات. وكان الزيّات لا يحب الأستاذ كردعلي، بينهما نفور. فسارع إلى نشر مقالتي. فلما رأيتُها منشورة شعرتُ بألم شديد ونَدَم. ووبخت نفسي، فقد كان كردعلي من كبار العلماء وعظماء الرجال. وبينما أنا أفكر في طريقة للاعتذار منه، جاءني الأستاذ عبد النبي قلعي، وكان رئيس ديوان وزارة المعارف، وصديقاً لوالدي، وقال: كنت أمس في زيارة للأستاذ كردعلي. فسألني عنك، وهو يرغب أن يراك، فلعلك تذهب لزيارته.
- قلت له: لقد انتقدته، وندمت، ولا أجرؤ على الذهاب إليه وحدي. أخشى أن يغضب إذا رآني. فقال: لا تخف. هو يريد أن يراك ويتحدث إليك.
- وحدّد لي الأستاذ موعداً ألقاه فيه. فذهبت، وكان يسكن في شارع الروضة. فما كاد يدخل إلى الصالون الذي كنت أنتظره فيه حتى نظر إليّ وقال: رحم الله أباك. وكرَّرها. كان أبوك أعزّ صديق لي وكان نادرة الشام. فلما سمعتُ ذلك شعرتُ أني صغير جداً. كيف أنتقد من كان صديقاً لوالدي؟ ثم جلسنا. فبدأ بالحديث مستفسراً عن حالي وعملي ثم قال: قرأت مقالك. واستفدتُ منه في ثلاث نقاط. أما باقي الكلام فلا معنى له. وأنا أنصحك أن تبتعد عن هذه السخافات التي يكتبها الكتاب المُحْدَثون المعاصرون، وأن تأخذ بالجدّ.
- فأخذتُ بالاعتذار. فأسكتني. وقال: امضِ في الكتابة، أعجبني أسلوبك، وسيكون لك شأن إن شاء الله. وهذه مكتبتي كلُّها تحت تصرّفك. إكراماً لأبيك، وتشجيعاً لك. فامضِ في طريقك واشتغل. ثم أضاف: قرأت كتابك (إبليس يغنّي). - وكنت قد أصدرت هذا الكتاب وفيه ثلاث مسرحيات اقتبستُها من أدبنا القديم - فلا تضع وقتك بهذا !
- فسألته: وبماذا تنصحني ؟
- قال: هذه مدينتك دمشق، يجب أن تهتم بتأريخها، وعلمائها وكذا وكذا... إذا لم تبدؤوا أنتم فمن يفعله. أنا سأموت، يجب أن تهتمّ أنت وغيرك بهذا الأمر. وأقول لك كما قال لي شيخنا الشيخ طاهر الجزائري: التراث العربي المخطوط مُهمل فاعتنوا به وأحْيُوه.
- فسألته: وماذا عليّ أن أقرأ أو أفعل لذلك ؟
- قال: عليك بالمكتبة الظاهرية يوجد فيها سبعة آلاف مخطوط. اقرأها وستصبح عالم دمشق.
- منذ ذلك الحين بدأت بالاهتمام بتراثنا المخطوط، وبتاريخ مدينتي دمشق. فكنت ألازم المكتبة الظاهريّة وأعيش مع مخطوطاتها. وكنت ألقى من مديرها الأول الدكتور يوسف العش، ثم مديرها الثاني الأستاذ عمر رضا كحالة رحمهما الله، كل عون. وكنت أضع لكل مخطوط قرأته بطاقة تصفه، وما تزال هذه البطاقات لديّ. وقيّض الله لي صحبة العلاّمة الشيخ محمد أحمد دهمان فأفدت الكثير من علمه. وظل الاهتمام بالتراث وبدمشق ديدني، حتى إني عندما عُيّنتُ في مديرية الآثار كان همي الأول التعريف بآثار دمشق. فبدأت بنشر سلسلة آثارية أصدرتها مديرية الآثار، صدر منها: دمشق: أسوارها أبراجها، أبوابها، وبيمارستان نور الدين بدمشق، وقصر أسعد باشا العظم بدمشق.
- وتابعتُ هذه الأبحاث في مقالات نُشرت في مجلة المشرق ببيروت عن (خطط دمشق).
- وحققت قطعة من تنبيه الطالب وإرشاد الدارس لِما في دمشق من المدارس للنُعَيْمي، تتعلَق بدور القرآن، ثم حققت كتاب (مختصر تنبيه الطالب للعَلْمَوي). ورأيتُ أنه لا بدّ من وضع مخطط لمدارس دمشق ومساجدها وطرقها ودروبها وأحيائها، فرحتُ أطوف في كل حيّ، وأزور كل مدرسة وجامع، وأدخل كل بيت قديم، وأُثبت الأماكن، وأتتبّع مواضعها. قضيت سنة كاملة في هذا العمل، حتى وضعت (مخطط دمشق القديمة) بيّنْتُ فيه أسوارها، وأبوابها وأحياءها ودروبها، وكل مدرسة أو مسجد زال أو ما يزال. بمقياس 1/2000 فكان عملاً رائعاً أفتخر به، لم يسبقني إليه أحد. وجعلت هذا المخطّط مُلحقاً لكتاب (مختصر تنبيه الطالب) للعلموي، المذكور.
- وفي خلال ذلك كلّه لم ينقطع اتصالي بأستاذنا كردعلي. فكنت أتردّد دائماً عليه، في مقر المجمع أو في داره، أو في قريته (جسرين) بالغوطة. وكنت أفيد من علمه، وأساعده في أعماله. وسمعتُه ذات يوم يتكلم بحرقة عن تقاعس أعضاء المجمع بدمشق عن تحقيق (تاريخ دمشق) للمؤرخ الكبير والمحدّث العظيم ابن عساكر. وهو في ثمانين مجلدة كل مجلدة ألف ورقة. فقُلت له: أنا أبدأ به. فَقَبّلني، وقال: يا عيني عَيْنك. وهذه كلمة كان يقولها عند إعجابه الشديد. فانصرفتُ بحماسة إلى البحث عن مخطوطات التاريخ وجمعها لمقابلة بعضها على بعض وتحقيق المجلدة الأولى. وشك بعض أعضاء المجمع أن يكون عندي القدرة على هذا العمل. والحقيقة أنه عمل صعب جداً. وقضيتُ سنتين أعمل حتى أخرجنا المجلدة الأولى في (960) ص. صدرت عام 1951م. فتدفق عليّ الثناء من شيوخ المجمع قاطبة. وسمّاني أستاذنا كردعلي (ابني الروحي). وقرّظ عملي كبار المؤرخين في البلاد العربية. وهذا كله فضل من الله تعالى.
- وفي هذه الفترة، أعطاني أستاذنا كردعلي صورة مخطوطة نادرة جداً اسمها (رسل الملوك ومن يصلح للرسالة والسفارة) لابن الفرّاء لكي أحقّقها. وفيها مباحث عن الرسل والسفراء في الإِسلام. فاستهواني الموضوع، لأنه دليل قاطع على أن المسلمين سبقوا أوروبا إلى القانون الدبلوماسي، وقواعد اختيار السفراء. فأسرعتُ إلى تحقيقه وأرسلته إلى الأستاذ أحمد أمين رئيس لجنة التأليف والنشر في القاهرة. فوافقت اللجنة على نشره. وقد كان لها صيت ذائع ومكانة كبيرة. ولا تنشُر إلاّ الجيّد. فكان ذلك لي توفيقاً جديداً يمنّ الله تعالى به عليّ.
- وفي عام 1954، أول آذار تولّى وزارة المعارف السورية الدكتور منير العجلاني. وكان يعلم اهتمامي بالتراث فاقترح عليّ أن يوفدني إلى إسبانية لوضع فهارس للمخطوطات العربية فيها. وكان اقتراحاً ملأ نفسي فرحاً وبهجة وصدر مرسوم بذلك. فسافرتُ، وبدأتُ الاتصالات لوضع برنامج لعملي، كما بدأت بتعلّم اللغة الإِسبانية. وقد لمستُ ما كان للعرب من فضل على تلك البلاد، فما من قصر ولا حجر إلاَّ ويشهد بفضلهم. لكنّ مقامي هناك لم يطل مع الأسف، فقد استقالت الوزارة وجاء إلى الوزارة الجديدة وزير على خلاف مع سَلفه العجلاني. فعمد إلى كل ما عمله فأبطله، وأنهى إيفادي بحجة أن هذا العمل غير ضروري. وكان ألمي شديداً لكن الله جلّ جلاله يسّر لي فرجاً. ذلك أنه كان في القاهرة معهد للمخطوطات العربيّة، وكان مديره الدكتور يوسف العش، وهو عالم سوري، قد أنهى عمله فيه. فرُشّحْتُ أن أكون مديراً. وأيّد الترشيح الرئيس فارس الخوري رئيس الوزراء، وسفيرُنا في مصر الدكتور نجيب الأرمنازي فوافق عبد الرحمن عزّام أمين الجامعة العربية على ذلك.
- قد لا يعلم الحاضرون شيئاً عن معهد المخطوطات. إنّه عمل من أعظم الأعمال التي قامت بها الجامعة العربيّة. وكان هدفه إحصاء المخطوطات العربيّة التي تركها أجدادنا، والموجودة في مكتبات العالم، العامة والخاصة، وتصوير أكبر عدد ممكن منها، ووضع المصوّرات تحت تصرّف العلماء، والعمل على نشر الآثار الهامة من التراث العربي.
- فمهمة المعهد كانت عظيمة وواسعة وثقيلة. وإذا علمتم أن تراثنا العربي كان واسعاً جداً. وكان أجدادنا قد خلفوا من المؤلفات ملايين كثيرة. وهذه المخطوطات كانت في البلاد العربيّة والإِسلامية ثم انتقلت بأساليب مختلفة إلى مكتبات أوروبة وغيرها في العالم. تدركون سعة العمل الذي يجب القيام به. ويزيد العمل صعوبة في البلاد العربية والإِسلامية، لأن المخطوطات فيها، على الأغلب، ليس لها فهارس يُرْجَعُ إليها للانتقاء منها. ثم إن انتقاء المخطوطات ينبغي أن يقوم به عالم محيط بالثقافة الإِسلامية، أو أحد فروعها. ولم أجد في المعهد الجهاز العلمي الفني. كان فيه فقط سكرتير ومحاسب ومصوّر. وكان السكرتير يحمل شهادة ابتدائية فقط.
- ووجدت أن المعهد نفسه كان مضطرباً ليس له أنظمة ولا مجلس أعلى. وكانت موازنته ضئيلة جداً: خمسة آلاف جنيه مصري في العام تدفع منها الرواتب، فلا يبقى لإِرسال البعثات للتصوير إلاَّ القليل. وكانت تَبَعِيّته للإِدارة الثقافية تمنعه من العمل. ورغم ذلك كله تغلّبت على المصاعب.
- ووجدتُ العون والتأكيد من الأمين العام يومذاك حسّونة باشا، ومن معاونه الدكتور رئيف أبو اللمع، ومن رئيس اللجنة الثقافية الدكتور طه حسين. ففصلنا المعهد من الإِدارة الثقافية وجعلناه مُستقلاً، مرتبطاً بالأمين العام، ووضعنا أنظمة جديدة، وأنشأتُ مجلة اسمها (مجلة معهد المخطوطات العربية) كانت أول مجلّة تصدر في العالم العربي والغربي، تبحث في المخطوطات العربية. وقد نالت شهرة واسعة وأصبحت مرجعاً لا يُستغنى عنه. واخترنا بعض المؤلفات الهامة في تراثنا لتحقيقها ونشرها ككتاب (سير أعلام النبلاء) للحافظ الذهبي. واخترتُ كتاباً هاماً جداً هو (شرح كتاب السِّيَر الكبير) للسرخسي. وأصل الكتاب أي (السِّيَر الكبير) ألّفه محمد بن الحسن الشيباني الفقيه الكبير، وهو أول كتاب في العالم يتكلّم عن القانون الدولي العام. والأوروبيون يعتقدون أن عالماً هولاندياً اسمه (غروسيوس) هو الذي وضع القانون الدولي العام، في حين أن الإِمام محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189 هجرية/ 805 ميلادية، قد سبقه. فجمعت سبعَ عشرة نسخة مخطوطة من مخطوطات الكتاب وجدتُها في مكتبات العالم. وحققت أنا المجلد الأول والثاني منه. وقد أدرك العلماء الألمان قيمة الشيباني العلمية، سَبْقَه إلى وضع علم القانون الدولي، فأسسوا جمعية اسمها "جمعية الشيباني للحقوق الدولية". وانتُخِب العلاّمة القانوني المصري الدكتور عبد الحميد بدوي رئيساً لها، وانتُخِبْتُ أنا نائباً للرئيس.
- ومن المؤلفات التي بدأنا بتحقيقها كتاب (أنساب الأشراف) للبلاذري. وإلى جانب تحقيق المخطوطات ونشرها، قمنا أنا وبعض موظفي المعهد، برحلات في بلاد العالم لتصوير المخطوطات فيها. فأتيح لي أن أبلغ لينينغراد وموسكو، وطشقند وبُخارى، وسمرقند. وأن أزور مكتبات طهران ومَشْهد، ومكتبات باكستان والهند. وأن أنعم بمخطوطات تونس والمغرب، وأن أدخل مكتبات الفاتيكان، والأمبروزيانا في ميلانو. وأن أفيد من مكتبات توبنجن وغيرها في ألمانيا. وتعداد ما زرته من المكتبات في العالم يطول. ولا أُبالغ إذا قلت إني رأيتُ بعيْنَيّ من المخطوطات ما لم يَرَه غيري. وقد صورنا الكثير من المخطوطات النادرة أو ذات الشأن للمعهد. وبلغت ألوفاً كثيرة. وقد ساعدني على نجاحي في عملي أنّي ما كنت أذهب إلى بلد إلاّ وَجَدْتُ فيه أصدقاء قدّموا لي العون ويسّروا المصاعب، سواء من العلماء العرب والمسلمين أو من المستشرقين.
- وإلى جانب ذلك وضعت قواعد لتحقيق المخطوطات العربية بعد أن رأيتُ أن المحققين لا ينهجون نهجاً علمياً صحيحاً، وقدمت هذه القواعد إلى مؤتمر المجامع العلمية المنعقد بدمشق عام 1956، وأقرتها لجنة تحقيق المخطوطات. وقد تُرْجمت هذه القواعد فيما بعد إلى لغات كثيرة منها الفرنسية والإِنكليزية، والإِيطالية، والإِسبانية، والتركية، والفارسية.
- وكنت، وأنا مدير للمعهد، مُحاطاً بحمد الله، بالثناء والتقدير لما أنجزه المعهد. ولقينا التشجيع من علماء كثيرين. ولم يخلُ الأمر من بعض علماء اتهموني بالجهل، وهاجموا معهد المخطوطات.
- وقد دُعيتُ إلى مؤتمرات دولية كثيرة. وكان أول مؤتمر حضرتُه مؤتمر تعليم أولاد اللاجئين الفلسطينيين في القدس، الذي انعقد في 31 تشرين أول 1953. وكنت رئيساً للوفد السوري للمؤتمر. وألقيت بحثاً عن الطرق والوسائل التي يجب اتباعها لتعليم أبناء اللاجئين.
- وحضرت مؤتمرات الأدباء العرب في سورية دمشق، ولبنان (بيت مري) والكويت والقاهرة.
- ومؤتمرات المستشرقين الدولية في ميونيخ بألمانية، وباريس، وموسكو، والمؤتمرات الدولية التي أقيمت للبيروني في طهران، وكراتشي ولاهور، وملتقى سيبَوَيْه الدولي في جامعة شيراز.
- ومؤتمرات الفارابي الدولية، في مشهد وطهران وجنديسابور.
- والمؤتمر الألفي لمدينة بغداد، والفيلسوف الكندي.
- ومؤتمرات العالم الإِسلامي في مقاديشو عام 1962م، وقبرص فاماغوستا 1979م، وإسلام أباد.
- والمؤتمر الدولي لتاريخ بلاد الشام في عمّان.
- ومؤتمر العيد الألفي لجامع الزيتونة في تونس.
- ومؤتمرات عقدتها جامعة الملك عبد العزيز في جدّة، وجامعة الإِمام محمد بن سعود في الرياض وغيرها.
- ومؤتمر العلوم السياسية في بيروت.
- ومؤتمر تدريب الدبلوماسيين العرب في بيروت أيضاً.
- وفي هذه المؤتمرات كلّها ألقيت محاضرات، ودراسات قد تكون في مجلد كبير إذا طُبعت.
- وفي خلال عملي في معهد المخطوطات انتخبتُ عضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية في القاهرة، في 23 إبريل 1956م وكان أمين عام المجمع يومئذٍ العلاّمة المرحوم الدكتور/ منصور فهمي.
- وحاضرت في معهد الدراسات العربية العليا في عام 1957م. وكان مديره الأستاذ الكبير شفيق غُربال.
- ودعيت إلى إلقاء محاضرات في جامعة فرانكفورت. وكان مدير الدراسات العربية فيها المستشرق الكبير هلموت ريتّر.
- وانتُخبتُ عضواً في المعهد الألماني للآثار في برلين عام 1958م. وفي عام 1959م طلبت جامعة برنستون Princeton في نيوجرسي، في الولايات المتحدة، من جامعة الدول العربية إعارتي لها كأستاذ زائر خلال العام الدراسي 1959 - 1960م، فأتيح لي خلال عام الاطلاع على المخطوطات في جامعة برنستن، وفي مكتبات الجامعات الأمريكية، وفي المتاحف والمكتبات الخاصة، ووضعت لكثير منها فهارس لم تُنشر بعد.
* * *
عند عودتي من جامعة برنستن تركت معهد المخطوطات، آسفاً على مفارقته، فتركت القاهرة، وانتقلتُ إلى بيروت. وكان لي فيها ميدان جديد للنتاج والبحث ذلك أني كنت في جميع السنوات التي تحدّثتُ عنها أتابع التأليف، وأصبح لديّ مؤلفات كثيرة تحتاج إلى نشر. فأسّسْتُ في بيروت داراً لنشر سمّيْتها (دار الكتاب الجديد) كي أنشر فيها مؤلفاتي وحدي، أو مؤلفات أصدقاء أعزّاء عليّ.
* * *
وقبل أن أدع التحدث عن التراث، أودّ أن أتحدث قليلاً عن مشكلة تسرّب تراثنا العربي إلى أوروبا على غفلة منا، أو بقصد من بعض تجارنا، فلو أن أحداً منكم ذهب اليوم إلى أي متحف أو مكتبة في أوروبة لوجد فيها النوادر والروائع من تراثنا المخطوط أو الآثار الفنية المنقولة كالسجّاد والأواني الخزفية والتحف والمجوهرات.. هذه الأشياء.. قسم منها انتقل نهباً أو غَضْباً كما فعل الفرنسيون في شمال أفريقية، وفي سورية ولبنان، وكما فعل الإِنجليز في مصر وبلاد الشرق الأقصى، وكما فعل الروس في بلاد إيران وتركيا.
- وما أقوله ليس افتراءً، فقد رأيت بنفسي مخطوطات عليها وقفيات على مدارس أو مساجد في مدينة تركية أو إيرانية أو مغربية فوجدتها في لينينغراد أو باريس. وقسم آخر باعه التجار عندنا ابتغاء المال لأننا كنا مغفّلين لا نعرف قيمة هذا التراث. فبيع على الأغلب بأسعار بخسة. ولعلكم تعلمون قصّة ذلك التاجر الإِيطالي الذي كان في صنعاء يبيع الناس الأقمشة والأرز والسُكّر ويرفض أخذ النقد الدارج عندهم، كان يطلب منهم أن يُحضروا له كُتُباً. والكُتُب كانت كلّها مخطوطة. فجمع ما يقرب من ستة آلاف مخطوط، كما قيل وحملها معه إلى إيطالية، وأهداها إلى الفاتيكان. والفاتيكان أهداها إلى مكتبة مشهورة في ميلانو، اسمها (الأمبروزيانا)، وأنا ذهبت إلى هذه المكتبة وبقيتُ فيها شهراً ووضعتُ فهرساً لقسم من هذه المخطوطات اليمنيّة.
- ولماذا نذهبُ إلى اليمن، وإلى ميلانو، وعندنا من أنباء مخطوطات المدينة المنورة التي انتقلت إلى أوروبة الكثير. كان في المدينة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام عالم من آل الحلواني كان مُتخصّصاً بالفلك. وله كتاب جيد في الرّد على جرجي زيدان واسمه محمد بن حسن. فهذا الرجل كان جمَّاعة للكتب. يلتقط جميع ما يستطيع أخذه من مخطوطات مكتبات المدينة المنورة، وكلّها كانت كتباً موقوفة لا يجوز إخراجها من مكانها ولا بيعها. وفي عام 1883 ميلادية أقيم في أمستردام بهولندا المعرض الاستعماري الدولي. فحمل الحلواني كل ما عنده من مخطوطات وذهب إلى المعرض لبَيْعها. فاشترت مؤسسة بريل Brill قسماً كبيراً مما عرضه من آثار قديمة وكتب، وباع بريل قسماً من هذه المخطوطات لمكتبة برلين. وقسماً آخر إلى جامعة ييل Yale في الولايات المتحدة.
- وكان عندنا في دمشق، والقاهرة، وبغداد ثلاثة من هؤلاء التجّار الذين كانوا يجمعون الكتب من دور الأسر العلمية، وخاصة بعد وفاة أصحابها ويبيعونها إلى أوروبة. كان في القاهرة أمين الخانجي صاحب مكتبة الخانجي المشهورة، كان في بغداد نعمان الأعظمي، وكان في دمشق الأستاذ أحمد عُبيد صاحب المكتبة العربية والشيخ حمدي السفرجلاني، رحمهما الله، وصاحب مكتبة القُصَيْباتي. وكلّهم كانوا من العارفين بالمخطوطات الجمّاعين لها. وكانوا كلّما مات عالمٌ من العلماء سارعوا إلى شراء ما عنده من الكتب، مطبوعة أو مخطوطة. وكان ذوو هؤلاء العلماء لا يعرفون على الأغلب قيمتها ويريدون الخلاص منها فيبيعونها. فهؤلاء اهتدى إليهم مستشرق يهودي عالم اسمه (ا. س. يهودا) يعيش في إنجلترة وطلب منهم أن يشتروا له أحسن المخطوطات. وكان يدفع لهم الثمن بالليرات الذهبية ليُغريهم بالشراء له، فجمع هذا الرجل مكتبة من أعظم المكتبات في العالم. ولما توفي انتقل قسم من كتبه بالبيع إلى مكتبة شستر بتي في (دُبْلِن)، وكان شستر بتي الإِرلندي يحب اقتناء الأشياء النادرة، فاشتراها وأوقفها في مكتبة سميت باسمه في (دُبْلِن). وقسم ثانٍ منها بيع إلى جامعة برنستون Princeton وهي خمسة آلاف مخطوط وهذا القسم كله مما بيع من دمشق. وقسم ثالث، وهو مهم جداً، كله مخطوطات طبية من مؤلفات الأطباء المسلمين العرب. اشترته وزارة الدفاع الأميركية ووضعت هذه الكتب في مستشفى كليفلاند. وهو مستشفى مشهور جداً في الولايات المتحدة.
- وكان يوجد رجل اسمه ر. جاريت Garett أميركي كان من هواة الرياضة، وبطلاً من أبطال الألمبياد عام 1884. ثم أصبح رئيس مجلس الإِدارة في جامعة برنستون. وأُرسل في بعثة أثرية للتنقيب عن الآثار في حوران في سورية. فتعلّق بشراء الآثار والمخطوطات. وعاد معه عشرة آلاف مخطوط وقطع كثيرة فنية أثرية. فأهداها كلها إلى جامعة برنستون ويطلق عليها مجموعة جاريت. وكثيرون هم الأغنياء الذين يشترون من البلاد العربية والإِسلامية المخطوطات ويهدونها إلى جامعات الولايات المتحدة ومتاحفها. والمهم في هذا أننا نحن الذين نبيع هذا التراث رغبة في الربح والمال.
- ولم يكتفِ هؤلاء بشراء التحف الفنية والقطع الأثرية والمخطوطات القديمة بل عمدوا إلى شراء القصور والبيوت القديمة كما فعل الثريّ الأرمني كيفوركيان. فقد اشترى قصراً لآل القوتلي بدمشق، ونقله بكل ما فيه: مرمره وخشبه ولبناته وكل قطعة فيه إلى نيويورك. وأعاد تركيبه في متحف الميتروبوليتان. وقد اجتمعت به هناك وحدّثني عن مقتنياته. وهو شخصية نادرة الذكاء.
- ولا شك أن تسرّب تراثنا هذا أمر مؤسف جداً. وسيجعلنا يوماً من الأيام فقراء في التراث الفني.
- ولرب سائل يسأل: أيهما أحسن - إبقاء هذا التراث عندنا أم بيعه إلى المكتبات والمتاحف في أوروبة والولايات المتحدة ؟
 
- والجواب أن ذهابه إلى أوروبة قد ضمن سلامته وحفظه لأن المتاحف والمكتبات تُعنى بالمحافظة على المخطوطات عناية فائقة تجعلها لا تشعر بحرّ ولا يصل إليها السوس، ولا يصيبها البلل. توضع في أمكنة مبّردة بالإِضافة إلى العناية بفهرستها، وإصدار فهارس لها. وبصورة عامة الإِحساس بقيمة هذا التراث المكتوب أشد في أوروبة مما هو عندنا. ولكن بدأت اليقظة عندنا في جامعاتنا ومكتباتنا، وحتى عند الناس، فظهر فينا من يهتم بالتراث ويقتنيه ويشتريه بأسعار باهظة. ولكنّ هؤلاء قلائل. ولا بدّ من تعميق هذا الإِحساس بقيمة هذا التراث. والعمل على التنافس فيه والغيرة عليه، حتى نوقف انتقاله إلى الغرب ونضمن إبقاءه في ديارنا. وكنت كتبت في هذا الموضوع مقالة في جريدة الشرق الأوسط ذكرت فيها أنّ اليهود أقاموا الدنيا لأن رجلاً اشترى من أمريكا توراة قديمة هُرّبت من ألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية. فأقامت الجمعيات اليهودية دعوى في محكمة القضاء الأعلى في نيويورك وطلبت أن يجبر الرجل الذي اشتراها - وهو ليس يهودياً - بإعادتها وجعلها لليهود لأنها من التراث العالمي اليهودي.
 
- وأعود إلى بيروت، ومقامي فيها. لقد انطلقتُ في التأليف، والكتابة في الصحف والمجلات وإلقاء المحاضرات. وكان لي في جريدة الحياة زاوية اسمها (زاويتي) كانت تصدر كل يوم، وأفدت فائدة كبرى من الأستاذ كامل مروة نابغة الصحافة العربية، والصحافة كما تعلمون علم وفن وموهبة ولا يكفي أن تجيد الكتابة حتى تصبح صحفياً ماهراً، ولا بد أن يرشدك رجل معلمّ ماهر ويقوّم اعوجاجك.
- وكان الكثيرون يُعجبون من كثرة تأليفي. فكنت أضحك. لقد كان لديّ مفتاح التأليف الأول: وهو الثقافة المشاركة في كل علم عرفه العرب. ومكتبتي التي كانت تمدّني بكل مصدر أريده في أي موضوع. فلا أحتاج إلى الذهاب إلى مكتبة ولا استعارة كتاب. كان في مكتبتي ثلاثون ألف كتاب.
- وجعلني مقامي في بيروت والجو الثقافي الحرّ الذي يسود فيها أخوض غمار السياسة ومعالجة المشكلات التي تُعاني منها البلاد الإِسلامية والعربية جمعاء. وقد ألّفت في ذلك عدة تآليف كانت كالحُمم. وصابني بسببها كثير من الجروح، وأُحرقت مكاتبي، وخسرت الكثير. وكدت أفقد عمري. والكلام على هذه النقطة الأخيرة يطول كثيراً إذا مضيتُ فيه.
 
- أيُها الإِخوان، هذه خلاصة موجزة عن حياتي، وآمل أن لا يكون الملل قد أصابكم من حديثي. فشكراً جميعاً.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :2543  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 77 من 118
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من اصدارات الاثنينية

الاثنينية - إصدار خاص بمناسبة مرور 25 عاماً على تأسيسها

[الجزء الثاني - مقالات الأدباء والكتاب في الصحافة المحلية والعربية (2): 2007]

الاستبيان


هل تؤيد إضافة التسجيلات الصوتية والمرئية إلى الموقع

 
تسجيلات كاملة
مقتطفات لتسجيلات مختارة
لا أؤيد
 
النتائج