شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
 
(( كلمة المحتفى به الأستاذ عيسى خليل صباغ ))
ثم تحدث الأستاذ عيسى خليل صباغ حديثاً فضفاضاً عن سيرته الذاتية فقال:
- الأصول الإِذاعية في أيامي كانت تستوجب أن يترك المتحدث ما يقارب بوصتين بينه وبين الميكروفون، أما الآن فالميكروفون كأنما يستطلع جغرافية فمك.
- في البداية أحب أن أقول: إن القلب عندما يكون مليئاً بالمحبة، والعقل مشحوناً بالمودة والرضا الذي منبعه أولاً وقبل كل شيء سبحانه وتعالى، ثم ما يتبع من هذا الرضا بالنسبة إلينا نحن بني البشر الذين أرجو أن أكون مصيباً إذ أقول: إن ذخرنا هو في أصدقائنا. والآن أجد نفسي في هذا المركز المبارك بدعوة من الصديق العزيز الصدوق الأستاذ عبد المقصود خوجه وبين هؤلاء الأعلام.. الأعلام المرفرفة بالإِضافة إلى الأعلام الساحقة. كما تعلمون طبعاً أن العلم هو الجبل في أحد معانيه.. فلا أستطيع أن أجاري حضرة السيد الذي افتتح بهذه الكلمة البليغة حيث أعطى الكلمة حقها، وحسبي من كل هذا أن تغفروا لي تقصيري إن أنا شططت بعض الشيء، وعذري سيكون على سني المتقدمة، ما دام حضرة المتكلم قد فضحني بالنسبة إلى الاختبارات، والمحطات، والمطبات في جادة الحياة.
- أنا فعلاً ليس من نقاط ضعفي التواضع، ولكنني أجد نفسي مضطراً إلى أن أكون متواضعاً وأنا بينكم هنا، وأنا جالس بين مؤرخ عجيب، وممارس للتاريخ والشؤون الدبلوماسية أعجب، فبداية حياتي كانت بسيطة جداً، طفل عربي فلسطيني، شحنه أبوه بما سماه بعد (40) سنة تقريباً (30) سنة بالضبط.. الأستاذ الكبير الشيخ عبد الله بلخير بأنه هوس العروبة، فقلت: إن الطيور هنا تشعر بشيء من الطمأنينة ولذلك لا تهاب قدوم الإِنسان.
- الشيء الآخر الذي لفت نظري من حيث الممارسة في الحياة الجامعية، هو أن الأستاذ هناك كان بمثابة الزميل للطالب يشجعه على أن يسأل وعلى ما يريد، ولم يتوانَ عن الاعتراف بأن هذا موضوع لعله يكون غريباً عليه ولمن شاء من الطلبة أن ينتظر الأستاذ بعد الحصة للبحث عن الجواب عن ذلك السؤال. قلت في نفسي: هذا نظام جديد مستحب.
- أما التحاقي بالعمل الإِذاعي فقد بدأ منذ التحاقي بالإِذاعة البريطانية التي بدأت في سنة 1938م، وكانت إذاعة ضعيفة، فبعث المسؤولون بها دعوة إلى معظم الجامعات طالبين من رؤسائها تزكية بعض العرب لعله قد نسي هذا ما أدري، وخرجنا من فلسطين رأساً إلى بريطانيا، ولسان حالي يقول:
تغرَّبَ لا مستعظماً غير نفسه
ولا قابلاً إلاَّ لخالقـه حكما
- كان والدي رحمه الله ورحم موتاكم دائماً يقول: إن كنت تريد يا ابني أن تشب وينظر إليك على أنك عربي تفاخر بذلك، فليس لك أفضل من القرآن الكريم والمتنبي. ذهبنا إلى بريطانيا لتلقّي العلم، بعض العلم لأن الكامل ليس في حوزة إنسان، ولتحسين اللغة الإِنجليزية بصورة خاصة، وهناك وجدنا أن الزملاء في الجامعة وكانوا طبعاً من الإنجليز ومن ويلز ومن خارج بريطانيا ينظرون إلى العرب نظرة متدنية بعض الشيء نظرة مبالغاً فيها، من حيث الوضاعة، بحيث أنهم سألوني أكثر من مرة سؤالاً كانوا يعدونه تقليدياً، متى كانت آخر مرة ركبت فيها الجمل؟ وقلت لهم: لم أركب الجمل في حياتي، ركبت الجواد. ومن فرط ما غمروني بأسئلة شبه سخيفة كهذه، رحت ذات يوم متأخراً عن بداية حصة الجغرافيا هذه، نحو 5 دقائق فالأستاذ البروفيسور "وودلي" سألني: لم هذا التأخر؟ فقلت له بصوت عالٍ وعلى مسمع من الزملاء والزميلات: سامحني يا أستاذ لأنني لم أجد موضعاً أُنيخ فيه جملي.. ولذلك أنفقت هذه الدقائق العشر بحثاً عن مكان مناسب لذلك الجمل، وطبعاً ضحكوا ولم يعودوا إلى ذلك السؤال.
- وأول ما لفت نظري في الحياة العادية في بريطانيا الانطباعات الأولى كثيراً ما تكون صادقة.. هو منظر عصفور صغير، رأيته في طريقي إلى مسكني، كان العصفور يقفز، ويقفز في اتجاهي قلت في نفسي سبحان الله.. العصافير هنا لا تهاب البشر.. في حين أنني كنت مدمناً على رؤية العصافير وهي تُتلقّط طائرة.
- الطلبة العرب ممن يأنسون في أنفسهم القدرة على الكتابة أو الإِذاعة أو ما يشبه هذا للعمل بالإِذاعة، فكنت أنا ممن لبّوا هذه الدعوة، وبعثت بنص حديث كتبته وعنوانه الغريب في الغرب، استحسنوا ذلك الحديث وبعثوا في طلبي كي أسجله، ولكنهم غيروا رأيهم وقالوا فلتذعه رأساً على الهواء، فأذعته، لقي قبولاً لديهم وسألوني إن كنت أذعت في الماضي فأجبتهم أنني لم أرَ الميكروفون هذا، فاستغربوا بعض الشيء.
- وكان في الحديث بعض النقد بالنسبة للحياة الاجتماعية الإِنجليزية كما رايتها في أول الأمر، ولكنهم لم يعترضوا على شيء مما جاء فيه وكانت هذه سياستهم كما تكشفت لي فيما بعد. فالسياسة الإِذاعية في بريطانيا أن تكون نسبة الخط الذي نريد أن نذيع عليه سياستنا أو أفكارنا إلى 1.5 % من كامل الموضوع.
- ومن الطرائف خلال بداية عملي بالإِذاعة أن الأخبار يحررها نخبة من المحررين الإِنجليز، ثم يبعثون بها إلى القسم العربي لترجمتها وتعطى إلى المذيع المناوب ليلقي نظرة عليها. وكانوا دائماً يلزمون المذيع قبل الدخول إلى الأستوديو بخمس عشرة دقيقة أن يراجع النشرة ويكون إلى جانبه مراقب إنجليزي. ففي المرة أظن العشرين أو الحادية والعشرين مللت هذا الترتيب وقلت في نفسي إما أنهم يطمئنون إلينا أولا يطمئنون، إذا كانوا غير مطمئنين فالسلام عليهم. فقلت لا بد أن أدبر للأستاذ الإِنجليزي موقفاً حرجاً كي يعتقوني من مراقبتهم، فجاء الأستاذ المراقب حاملاً نسخة من نشرة الأخبار بالإِنجليزية وبيدي نسخة بالعربية، فكلما انتهيت من صفحة قلبتها بالطريقة الإِذاعية التي دربت عليها، كيلا نحدث صوتاً. فإذا بالمراقب يقلب صفحته الإِنجليزية، مع العلم أن الصفحة العربية ليست بالضرورة مساوية حرفاً بحرف أو سطراً بسطر للصفحة الإِنجليزية. وعملت نفس الشيء في الصفحة الثانية، فقلب الصفحة الثانية، فقلبت الثالثة، فقلب الثالثة، عندئذٍ قلت لقد نصب الفخ الآن في منتصف الصفحة الرابعة من غير أن أغير نبرة صوتي، وكان الكلام عن الحرب ونشاط القوات النازية، من غير تغيير في الصوت والنبرة، قلت: وأما أهل جلَّق فإنهم يؤثرون أكل الجبنة، وخصوصاً الجبنة الكشكواني والجبن الأبيض مع البطيخ، ذلك لأنهم يجدون الفارق بين المالح والحلو.. شيئاً عجباً.. وأما [دوسلدورف] فكانت هي الأخرى في مكانها. وقلبت الصفحة.. فقلب الصفحة، فقلت له باللغة الإِنجليزية: اسمح لي يا أستاذ حضرتك لم تكن دقيقاً جداً.. فقال كيف؟ ألم تنته من قراءة الصفحة؟ فأجبته بلى لقد انتهيت من قراءة الصفحة بالعربي، ولكن أين أنت الآن؟ لقد شرحت لك خصائص البطيخ عندما يؤكل مع الجبنة وأن هذا من الأشياء المفضلة لدى أهل دمشق. فأجابني:
- .. إن هذا عمل ليس عدلاً، ولا يجوز لك أن تعمله، فقلت: بل عملته ليكون درساً لك وليكون إنذاراً لكم. إما أن تتركوني أتولى عملي بنفسي، وإما أن تحضروا غيري ليذيع لكم نشرة أخباركم والسلام.
- لقد كانت هذه من نزوات الشباب، ذلك أنه لا يجوز لموظف أن يقوم بحفر مثل هذا الخندق، ولكننا كلنا نخطئ إن كان هذا خطأً.
- وحادثة أخرى ما زلت أذكرها جيداً، فقد وقعت بنا طائرة عندما كنت أؤدي واجبي مندوباً عن الإِذاعة البريطانية إلى وزارة الحربية لاستقاء الأخبار وبعد أن اطمأنوا على سلامتي أصروا عليَّ بأن أعدهم ألاَّ أقول حرفاً واحداً عن هذا الحادث لكيلا أعطي السامعين الكرام فكرة عن أن الإِنجليز مثلاً يخاطرون بالذين يعملون معهم، ولكن هذا الحادث علمني في حد ذاته أن ربنا سبحانه وتعالى خلق في الإِنسان هذه الآلة أو المكنة التي هي حتى الآن أسرع من أي كومبيوتر استنبطه الإِنسان.
- ففي تلك الثانية التي رأيت فيها أمنا الأرض كما يسمونها تقترب مني والله رأيت كل فرد من أسرتي، وكل فرد من أصدقائي، رأيت قصاصات من الورق مكتوبة عليها نبذ عن سيرتي المتواضعة إلى آخره. كل هذا في أقل من ثانية.. أقل من ثانية. وعندما ذهبت إلى أمريكا لافتتاح إذاعة صوت أمريكا، وجدت الفارق شاسعاً بين النظام الأمريكي في إدارة الإِذاعات والنظام البريطاني.
- فالبريطانيون كانوا متواضعين في طلباتهم مستكفين بأن يكون في المادة 1.5 % مما يريدون أن يقال، أما الأمريكان فكانوا بطبيعتهم يشمرون عن ساعد الجد أو غير الجد طيلة اليوم. يقولون هذا لا يكفي.. أين سياستنا، ماذا يفيدنا من هذا، ولقد قطعنا سنتين ونحن نحاورهم وحاولنا إقناعهم بأن المستمع العربي أذكى مما يظن أصحاب من يديرون الإِذاعات، يكفي أن تقول إن اللبيب من الإِشارة يفهم، حتى فهموا ذلك.
- والمهم أننا بقينا نرعى هذا الوليد "إذاعة صوت أمريكا" "الإِذاعة العربية" سبع سنوات ونصف سنة وبعدئذٍ استقلت ليس نزقاً ولكني وجدت المسؤول عن إذاعات الشرق كلها كان يريد أن يأمرنا بأن نقول هذا ولا نقول ذاك، وأن نتحدث بهذه الطريقة وليس بتلك، وقد تسبب ذلك في حدوث مناوشات بيننا حتى فاض بي الكيل، وكما يقول المثل العربي "بلغ السيل الزبى" ففي اليوم الأخير من عملي بالإِذاعة قلت للمسؤول: إن الدوام الرسمي ينتهي الساعة السادسة مساءً، وأنا بعد ذلك بدقيقتين أكون مستقيلاً بصورة تلقائية. قال: وكيف يكون هذا؟ قلت له: سترى وبالفعل استقلت من الإِذاعة، وجاء من قال لي: لعل هذه بأمر من ربنا، فما رأيك في أن تنضم للسلك الدبلوماسي؟ ودخلنا السلك الدبلوماسي وكان من حسن حظي أن أول تعيين لي في هذا السلك كان في جدة.
- لقد كان لي قبل هذا شرف زيارة المملكة سنة 51م بدعوة من أرامكو، حيث توجهت إلى الظهران وكان لقاء فعلاً يذكر ويتذكر لا غبار عليه، سوى أن صحيفة لعلها كانت تصدر في البحرين نشرت لي صورة علقت على تلك الصورة بقولها: "الجاسوس الأمريكي يحتفى به في السعودية". المهم القافلة بقيت مستمرة وكان لي ما أسميه فاتحة غرام بيني وبين المملكة، وهو تشرفي بالمثول بين يدي الملك عبد العزيز رحمه الله. وفي تلك الزيارة تعرفت لأول مرة على الأستاذ الشيخ عبد الله بلخير، فقد سهر حتى الصباح وهو ينشد الأشعار، خصوصاً أشعار أهل المهجر.. يطعمني شعراً ويسقيني شعراً. ومن الأشياء التي سعدت بها بالإِضافة إلى تشرفي بمقابلة الملك عبد العزيز يرحمه الله رحمة واسعة أنني كنت ذاهباً من الظهران إلى جدة لكنهم أنزلوني في مطار الرياض، وفي المطار صعد إلى الطائرة من نادى باسمي ثم اصطحبني إلى الصالة في مطار الرياض القديم، وكانت صالة ليست أكبر من هذه الصالة لكن هذه عامرة والحمد لله بوجودكم وكانت تلك خالية، وبعد بضع دقائق تناولت خلالها الشاي والقهوة تم إحضار سيارة تقلني إلى القصر الذي أعد لنزولي فيه. لم يكن في حسباني تلك الأشياء، فقد كانت خطة سيري الظهران جدة، لكن السيد محمد الديب.. قال لي: أنت عندنا بأمر من الشيوخ، قلت له: ومن يكون أولئك الشيوخ المهتمون بأمري.. شخص لا حول له ولا قوة، عابر سبيل؟ فابتسم وقال: الشيوخ يعني الملك عبد العزيز أطال الله عمره، فقلت له: وما المناسبة؟ قال لي: سترى ذلك بنفسك، فتوجهت بصحبته إلى الشيخ يوسف ياسين يرحمه الله، وبعد أن تبادلنا أطراف الحديث الممتع الشيق طلب مني أن أذهب لأستريح من وعثاء السفر. فشكرته على اللفتة الطيبة وإن لم تكن هناك وعثاء سفر بين الظهران والرياض، وأنزلوني بغرفة ذات أربعة أسرة، وبينما كنت على وشك أن أنام للهدوء الذي يملأ الغرفة من قلة الأصوات فإذا بقرعٍ على الباب، فصرخت أدخل فدخل رجل وقال لي: نريد أن نأخذ قياسك.. قلت له: قياسي؟ لماذا هل قررتم أن تدفنوني؟ لكنه شرح لي الهدف بقوله: إن هذه تقاليد تقضي على كل من يرغب أن يحضر مجلس الملك أن يكون مرتدياً اللباس العربي. وتم إحضار ذلك في أقل من نصف ساعة، فارتديت اللباس العربي. وتوجهت بصحبة الأستاذ رشاد ملحس للسلام على جلالة الملك عبد العزيز. فلما دخل وأخذ مكانه في صدر المجلس لا أكتمكم أنني فعلاً رأيت طوداً شامخاً، برغم أنه كان على كرسي، وأقول هنا بفخر واعتزاز: إنني وإن كنت قد أقلعت عن عادة تقبيل يد والدي بطلب منه وإصرار، فقد وجدت نفسي مكبّاً على يد الملك عبد العزيز يرحمه الله أقبلها لكنه سحب يده، وتمتم برهة ثم قال: والأذن تعشق قبل العين أحياناً، ونحن نحمد الله أننا نراك الآن بعد أن سمعناك، وبعد ثوانٍ من الصمت قال: كيف يعاملك الأمريكيون؟ فأجبته: معاملة طيبة، فقال: "إذا كانت معاملتهم لك ليست حسنة فأعلمني ويكون لي معهم شأن"، هذه كانت بداية غرامي بالمملكة.
- وعندما عدت إلى أمريكا، عدت محملاً بهذا الدم الذي تراكمت فوقه ديون كثر على مر السنين. ثم عدت مرةً أخرى إلى المملكة سنة 1958م للعمل بالسفارة الأمريكية كمسؤول عن الثقافة والإِعلام، وكان السفير الأمريكي رجلاً طيباً، وقد طلبني بالاسم لأنه كان يعرف محبتي للمملكة، لأنني كنت أعرفه قبل أن يحضر سفيراً للولايات المتحدة بالمملكة العربية السعودية، وذلك خلال إقامتي في بيروت. ولقد تفقدت بعد وصولي مطار جدة حقيبة ملابسي وأمتعتي الأخرى فلم أجدها، وكان السفير على موعد مع سمو الأمير فيصل رحمه الله، إذ كان في ذلك الوقت ولياً للعهد، فاضطررت إلى استعارة بدلة إفرنجية وعند مقابلتي لسمو الأمير ابتسم وقال: هل لك من حاجة فنقضيها لك؟ فأخبرته بأنني ألبس بدلة مستعارة لعدم حضور حقائبي فقال: إذن عليك أن تلبس الزي السعودي، فقلت له: إذا أمرتم سموكم كل العاملين بالسلك الدبلوماسي أن يلبس الزي السعودي فسأكون في طليعتهم، وقضيت 7 سنوات في هذا البلد الطيب، كان لي فيها شرف التعرف إلى الكثيرين من حضرات السادة الحاضرين والاستفادة منهم، من أدبهم الجم، من إرشاداتهم السديدة، ثم انتقل عملي إلى الكويت، وأذكر أنني سئلت في المطار عند مغادرتي جدة إلى الكويت عن انطباعي عن العمران بجدة فأجبت: بأنه سيتجه شمالاً وقد يصل أو يتعدى مصنع الإِسمنت، فقوبل جوابي بالدهشة والاستغراب، ولكني لما عدت بعد عشر سنوات من مغادرتي وجدت أن العمران قد تجاوز مصنع الإِسمنت وتحقق حدسي، وعودتي للمملكة في المرة الثانية كانت تلبية لإِشارة من الملك فيصل يرحمه الله أشار بها إلى السفير جيمس إيكنز المعين حديثاً بالسفارة، وذلك عند بداية الحركات المكوكية للأستاذ كيسنجر التي حرصت على أن أؤديها، بكل أمانة وإخلاص لا أقول خدمة، بل طواعية مني واختياراً وحرصاً على صالح التفاهم بين الطرفين، وقد زودت كيسنجر بكل المعلومات التي يحتاج إليها ولا أقول زودته بها على سبيل الإِرشادات بل إجابات عن بعض التساؤلات، عن الشخصيات التي سيقابلهم، والحق أنه كان تلميذاً فطناً. ولقد سمعت كثيراً من الأقاويل والإِشاعات التي روجها بعض الإِخوة خلال المناقشات التي دارت بين الملك فيصل وكيسنجر، ومن ذلك أنه حدث ذات يوم سوء تفاهم بينهما نتج عنه خروج كيسنجر غاضباً، لكني أشهد الله أنه لم يصل إلى علمي شيء من هذا القبيل.
- كل الذي عرفته أن الأستاذ كسينجر إذا فتح باباً بغية تليين الموقف السعودي يلجأ الملك فيصل رحمه الله إلى قفله، ويحاول فتح شباك أو كوة لإِتاحة الفرصة لمواصلة الحوار، ففي إحدى المرات قال لي أمام مجموعة من الأفراد: إن الملك فيصل شرفني بأن سماني ابن آدم، أي جعلني من بني البشر. وأستبعد أن يكون قد ذكر هذه العبارة على سبيل التهكم والسخرية، ولكن سوء فهم المعنى من كيسنجر لعبارة يا ابن آدم بدليل سؤاله في آخر مقولته وهو "أليس كذلك يا عيسى؟" فقلت له: لا، لم يقصد الملك فيصل من كلمة يا ابن آدم ما توهمته، وإنما قال لك الملك ذلك مرحباً بك بوصفك ممثلاً لدولة صديقة، بوصفك وزيراً للخارجية لتلك الدولة الصديقة، وإنه لم يلق بالاً إن كنت يهودياً أو غير يهودي. هذا لم يدخل في تفكيره فأنت هنا في ذلك المنصب ممثلاً ذلك التمثيل وأنت هنا جالس قبالتي إنساناً يجلس قبالة إنسان، أنت بشر وأنا بشر. وخلال محادثات كيسنجر مع الملك فيصل رحمة الله عليه، عودت الأستاذ كيسنجر على أن يتلقى كل يوم مني مثلاً واحداً أو حكمة عربية أو شيئاً من هذا. وفي اليوم الذي ظننت أنه قد استكفى لم أعطه مثلاً أو قولاً مشهوراً، فقال: يا فلان ما هو المثل اليوم أو القول اليوم الذي تفيدني به، فقلت له: هناك قول أتذكره هو "حبل الكذب قصير"، فقال: ما الذي تعني بهذا؟ هل تعني أنني مولع بالكذب؟ قلت له: هذا تفسيرك أنت وأنت تتحمل وزره، وإنما طلبت قولاً أو مثلاً فزودتك بهذا القول، وهو قول مأثور معروف، ولست مخترعه. فقال: عجيب، الأقوال العربية هذه عجيبة، قلت له: إنك لم تسمع إلاَّ القليل القليل مما تزخر به لغتنا العربية وتحفظه كتبنا وهنا مثل يقول: إن كنت كذوباً فكن ذكوراً. فقال: لغتكم تصويرية عجيبة، قلت له: نعم هي كذلك.
- ثم تقاعدت بعد بلوغي سن الستين وتمديد خدماتي بعد ذلك لفترتين متتاليتين وعدت إلى واشنطن وأنشأت منظمةً سميتها "وجهة نظر" تُعنى بإجراء دراسات جادة بالنسبة إلى البرامج التي يُستحسن أن توضع أمام المشاهدين والسامعين والقراء في الولايات المتحدة الأمريكية بالنسبة للعرب، وخلفية العرب كما تسمى، والعالم الإِسلامي.
- وإذا كان بعض الناس يحزمون حقائبهم خلال فصل الصيف خاصة ويتوجهون إلى مدينة "كان" ليروحوا عن أنفسهم ويريحوا أعصابهم، فأنا والله قد أرحت أعصابي هذه الليلة لأنني التقيت بعد عشرين سنة أو تزيد بالأستاذ عبد المقصود خوجه وما أكرمه، ويا ليت هذه الندوات تعقد في كان وفي غير كان، لما ينجم منها من فوائد جمة يستمتع بها مرتادوها من ناحية أخرى.. وفي مجالات كثيرة. لن أسمح لنفسي أن أنتقد أو أبدي ملاحظات على الإِعلام العربي الذي أسميته في الماضي إعلاماً محنطاً، لكنه الآن قد أفاق وهو في طريقه إلى الاتجاه الصحيح إن شاء الله لكن الزمن لا يرحم. فلو أفاق العرب قبل 50 أو 60 سنة لاستطاعوا أن يعملوا أشياء كثيرة.
- ولقد سعدنا في الولايات المتحدة بزيارة جلالة الملك فهد أيده الله، ولقد كانت زيارة موفقة لأنها عملت على فتح نافذة إلى أذهان الأمريكيين، وبصفة خاصة ذهن الأستاذ ريجان.
- وهذه يا سادتي هي سيرتي المتواضعة من الألف إلى ما قبل الياء، لأن الياء معناه الختام، ونشكر لحسن إصغائكم. وشكراً.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1686  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 54 من 118
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الأستاذ خالد حمـد البسّـام

الكاتب والصحافي والأديب، له أكثر من 20 مؤلفاً.