شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

 
كلمة المحتفى به الشيخ أبي تراب الظاهري
ثم تعطى الكلمة للمحتفى به الذي قال:
- ما كنت أحسب أن تحيط بي هذه الهالة، ولعل أحد المبرزين كان أجدر أن تحيط به هذه الهالة، ولكن التكريم في حد ذاته لا يأباه إلاَّ اللئام، والأستاذ عبد المقصود خوجه رجل الفضل والسبق إلى هذا المضمار الذي يشكر عليه، وندر في هذا العصر أمثاله.
- أما قصتي في الحياة فهي لا ترتبط بطابع الأعمال الجليلة التي تذكر عادة في صفحات التاريخ، لأني عشت حياتي خلف الدروس جاثياً على الركب في الجوامع والمساجد وإن كنت لم أجثُ على ركبتي إلاَّ متعلماً وإلاَّ أمام جدي ووالدي لأنهل من حياض علوم جلة من العلماء من مختلف البلدان العربية والإِسلامية، ونشأت في الهند، وقدمت المملكة في عام 1367هـ على ما أذكر في أيام الملك عبد العزيز رحمه الله عندما أرسل مرسومه الملكي وبلغ عن طريق رئاسة القضاء للسفير السعودي في باكستان، وهو السيد الخطيب، قبل أن يتم تقسيم القارة الهندية بين الهند وباكستان وقد بلغ السفير والدي بذلك الأمر، وكان والدي منذ عهد الشريف الحسين يتردد على الحجاز وهو من محبي الحرمين الشريفين، غرس الله في قلبه محبتهما، وكان من حفظة صحيح البخاري، وكان مشتهراً به. وفي إحدى الحجات التي حجها نشر عنه خبر في جريدة البلاد السعودية في عمود "قدوم كبار الحجاج" فذكر ممن ذكر الشيخ أبو محمد عبد الحق شارح المسند، وهذا ما لفت نظر المسؤولين ولا سيما رئاسة القضاء آنئذٍ، فبلغ جلالة الملك بقدوم شيخ شرح المسند الحنبلي، فطلب الوالد بعد البحث وكان نازلاً في بيت الدهلوي كعادته فحضر مجلس جلالة الملك عبد العزيز الذي كان يعقده بين المغرب والعشاء، للاجتماع بالعلماء، فاجتمع بجلالة الملك رحمه الله.
- واهتبل الوالد فرصة الاجتماع بجلالة الملك فعرض عليه رغبته في مزاولة التدريس بالحرم الملكي فوعده خيراً وقال له: سنتكلم في الموضوع، ثم بعد ذلك استدعى السيد عبد الله أبو الحسين الوالد وأخبره أن جلالة الملك قد عيَّنه مدرساً في المسجد الحرام ويحب أن يسمع خطبك، فسُرَّ بذلك الوالد وكنت برفقته فلما أُبنا إلى بلادنا وجدنا بعد شهور الأمر بالإِركاب والتذاكر وطلب نقل المكتبة والعائلة، فبادر الوالد إلى المجيء قبلي وبعد ذلك لملمت الأمتعة ولا سيما المكتبة، ما تيسر منها وحملت نحو 75 صندوقاً من الصناديق الكبار من الكتب المصورة، والمخطوطات، والكتب النادرة، ونزلنا ضيوفاً على أفندي محمد نصيف رحمه الله. كعادة الوالد حيث كان ينزل عنده كلما جاء إلى الحجاز وكانت بينهم صداقة وطيدة.
- ثم بعد ذلك استمرت رحلاتي إلى البلدان العربية واجتمعت بعلماء الحرمين وأجزت كما تفضل الأخ حسين نجار، واجتمعت بالشيخ عبد الرزاق حمزة وكان من أكابر المحدثين، اجتمعت بالشيخ عمر حمدان في أخريات حياته، واجتمعت بالشيخ يحيى عمان، والشيخ أمين كتبي، والشيخ يماني وأمثالهم من العلماء وبعضهم كتب لي إجازة بخط اليد، وكذلك اجتمعت بالشيخ محمد بن تركي بواسطة الوالد، ولكنه أبى أن يكتب لي إجازة وقال: أنا لست من أهلها، وقال للوالد: أنت أجزه، قال: أنا أجزته قبلك، فقال: هذا يكفي حيث يجب أن يكون الإِنسان المجيز مدرساً، ثم طلب مني الوالد أن أقرأ عليه أوائل البخاري تبركاً فتيمنت وقرأت البخاري في الروضة الشريفة تيمناً، وهكذا اجتمعت بكثير من العلماء كالشيخ سعد، والشيخ سليم من علماء الأزهر، والشيخ النجار وبعضهم كاتبني.
- وولجت أبواب الآداب، لأني شغفت بها ورضعت لبانها منذ اليفاعة، ودخلت مجلس العقاد وزكي مبارك، ولزكي مبارك تقرير بعثه إليَّ بخط يده على ديوان علقمة الفحل عندما حققه الشيخ أحمد صقر وكنت عقبت في بعض الأشياء، وكان سبب اشتهاري في بعض الأوساط الأدبية هو "أبو فروة" حيث اجتمعنا على مائدة الإِفطار عند الشيخ أحمد محمد شاكر وكان الحاضرون من علية القوم وكان من الثمار التي ضمتها المائدة ثمرٌ يقال له: أبا فروة أُحضِرَ مشوياً ودخانه يتصاعد ونحن جياع، فتكلم القوم وكلهم أدباء بَحَّاثون، وتساءلوا عن اسم أبي فروة في اللغة العربية فخيم عليهم الوجوم، فتكلمت وكنت في أخريات الناس وكنت شاباً طرياً لم يطر شاربي بعد فقلت: أظن أن اسمه بالعربية "قطّاً" فقالوا: نحن نعرف أنه ثمر يؤكل كما قال صاحب القاموس، ولكن من أين لك هذه المعلومة يا هندي؟ قلت: لقد قرأت في دائرة المعارف لفريد وجدي مادة "قطّاً" فقال في شرحها: إنه الثمر المعروف في القطر المصري بأبي فروة، وفي تلك اللحظة ضرب مدفع الإِفطار وذهب أحمد شاكر لدائرة المعارف فأتانا بكلمة "قطّاً" فإذا هي نفس الكلمة التي كانت مرتسمة في ذهني، فكان ذلك سبب اشتهاري في الوسط الأدبي هناك، وكنت ساكناً في نُزُل الريف لكن بعد ذلك نقلت إلى نزل فخم طيب عند أنصار السنَّة، وكان حمد الفقي يرعاني ووالدي كان يوصي أحمد شاكر بي.. وهكذا تقلبت في أحضان الضيافة هنا وهناك.
- وكان من سبب اشتهاري أيضاً في بعض الأوساط الأدبية أن عبد السلام هارون عندما أصدر كتاب الشعر والشعراء وعلق عليه بتعليقات مفيدة طيبة تعقبته.. ومن جملة ما أذكر من تلك التعقيبات، أنه ترجم للشاعر الأقيشر وعلق على بيت من الشعر للأقيشر يقول فيه:
يقولون لي إنكه شربت مدامـة
فقلـت لهـم لا بـل أكلت سفرجلا
- علق على كلمة إنكه بقوله: إن الكلمة تتألف من إنْ مخففة من إنَّ وأتى بشواهد لتخفيف إنَّ وكاف الخطاب اسمها والهاء للشخصي، فكتبت مقالة ونشرتها وقلت فيها: إن هذا خطأ ولو راجع المحقق لسان العرب لوجد هذا البيت في مادة نكه ينكه في اللسان وإنكه يعني أخرج نَفَسَكَ حتى نشم، أي أخرج نكهتك هل أنت شارب إثماً أم لا؟ فسأل المحقق: من يكون أبو تراب الذي كتب هذا؟ وبحث عني وتوطدت الصلة بيننا وتعارفنا بسبب بيت شعر للأقيشر.
- أما في الجامع الأزهر فاجتمعت بكثير من الأشياخ منهم الشيخ النجار، والشيخ أحمد حسن الباقوري وكان سبق اشتهاري في هذا الوسط أن الشيخ أحمد حسن الباقوري قال ذات مرة: إن الإِمام علي بن أبي طالب لما بات في البرد الأخضر ليلة هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ((تسجَّ في هذا البرد الأخضر فإنه لا يخلص إليك)).. جاء جبريل عن يمينه وإسرافيل عن يساره يحرسانه وإن الله سبحانه وتعالى قال:" من منكم يبيع حياته؟ فكل أحب حياته"، قال: هذا ابن عم رسول الله كيف باع حياته فأنتم أدنى منه أو شيء من هذا القبيل .. فقلت له: من أين لك هذه الرواية؟ فما استطاع أن يثبتها وقال: إنه نزل في هذا قوله سبحانه وتعالى: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله قلت له: يا سيد حسن إن هذه الرواية يبطلها استدلالك بهذه الآية، لأن الآية في سورة البقرة وهي مدنية والقصة مكية، والآية نزلت في مصعب بن عمير أو صهيب بن سنان "ربح البيع أبا يحيى ربح البيع".. وقال: إن علي بن أبي طالب مكث شهراً كاملاً يؤدي ودائع الرسول فقلت: إن هذا كذب من نسج خيال الوعاظ، لأن علي بن أبي طالب لحق بالرسول صلى الله عليه وسلموالرسول في قباء ولم يمكث بعد هجرة الرسول بمكة غير ثلاثة أيام، والدليل على ذلك رواية صحيحة في البخاري وفي غير البخاري أن علي بن أبي طالب قال: (بتُّ ليلة قباء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيت رجلاً يطرق الباب على امرأة ليس لها زوج في قباء، وتعقبت هذا الرجل وطرقت على المرأة وقلت: من هذا الذي يأتيك وأنت مسلمة؟ قالت: نعم هذا بريدة بن الحصين يكسر الأصنام في الليل خوفاً من المشركين ويأتيني بخشبها ويقول لي: احتفظي بها)، ثم قال: فأسقط في يدي .. علي بن أبي طالب يروي هذه الرواية حتى أن بريدة بن الحصين كبر في عين عمر بن الخطاب عندما استشهد في معارك العراق وقال: إن هذا الرجل كان يتخفّى في الليل ليموِّن امرأة مسلمة لتحتفظ بخشب الأصنام .. فكيف تقول: إن سيدنا عليّاً بقي في مكة شهراً بعد الهجرة.. إنها رواية تشتم منها رائحة الكذب والوضع، فكبرت في عينه حتى إذا لقيني كان يقول: العلم يمشي في ركابك...
- كما عقبت أيضاً على الأستاذ عباس محمود العقاد، وعلى الدكاترة زكي مبارك، ومحمد حسين هيكل عندما أصدر كتابه في منزل الوحي وتعقيباتي جمعت في كتاب اسمه (أوهام الكُتاب) صدر الجزء الأول منه وبقي بعضها طي القصاصات، وأنا لا أعرف من الحوادث إلاَّ أمثال هذه المواقف.
- بعد ذلك دخل في قلبي أن أحفظ القاموس فقد كان أبي يحفظ البخاري، وأنا رغبت أن أحفظ القاموس، ففيه من المواد حوالي أربعين ألف مادة، وبدأت أحفظها فصعب عليَّ هذا.. وقال لي الوالد: احفظ المواد فقط، أما الشروح فأنت لا تطيقها وقد حفظ الناس قبلك القاموس، فقلت: أستظهر المواد واستطعت أن أستظهر حوالي ثلاثين ألف مادة من سنة 1341هـ وبعدم المذاكرة ذهب أكثرها ولكن إذا وقفت على مادة ما تغيب عني، والمواد إذا حُفظت ورددها الإِنسان أصبحت مألوفة كما يحكى عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن عمرو بن معد يكرب عندما جاء له قال: أبنو المغيرة لئام؟ قال: لا .. لماذا؟ قال: إني نزلت فيهم فقروني قوساً وثوراَ وكعباً، قال: إن في هذا شبعاً أتعرفون كيف يكون في هذا شبع؟ القوس بمعنى الجبن والثور بمعنى الإِقط والكعب بمعنى السمن، فاللغة العربية كانت مفرداتها معروفة فما كان الناس يستغربون هذه الكلمات لهذا اتهمني بعض الناس باستعمال غريب اللغة. ولو حكيت لكم رواية أبو زيد الطائي عندما دخل على عثمان وكان قد تخلف عن الركب.. وكان في سرية فقال له عثمان: لماذا تخلفت عن السرية؟ والتولي يوم الزحف من الكبائر، قال: هجم علينا أسد يا خليفة المسلمين .. قال: صف لنا كيف هجم عليك؟ فتكلم كلاماً أرعب المسلمين لتصويره الأسد يهجم عليهم وهم في المجلس.. وهذا يعني أنهم فهموا الكلام، لكن نصّ الكلام الآن لو سمعتموه لاستعصى عليكم فهمه. من جملة ما أذكر من الكلام، قال: خرجت في صيَّابة من أشراف أبناء قبائل العرب ذوي هيئة وشارة حسنة ترمي بنا المهارة بأقصائها ونحن نريد الحارث بن أبي شمل الغساني ملك الشام فاخروَّط بنا السير في حمَّارة القيظ حتى إذا عصبت الأفواه، وذبلت الشفاه، وسالت المياه، وأنكت الجوزاء المعزاء، وصرَّ الجند، وذاب الصَّيْهد، وأضاف العصفور الضبَّ في وكره، وجاوره في جحره قال قائل: أيها الركب غوروا في دوح هذا الوادي، فإذا وادي البلى لا يُثير الدغل، دائم الغلل، أشجاره مهِنَّة، وأطياره مكنة، فحططنا رحالنا في أصول دوحات كنهبلات، ونبعات منفلات فعلمنا أن قد أصيد وأنه السبع ففجع كل واحد منا إلى سيفه فاستله من جربانه فوقفنا أرتالاً، وأقبل أبو الحارث (يعني الأسد) من أجمته يتضارع في مشيته لصدره نحيط، ولبلاعمه غطيط، ولأرباضه نقيض ولطرفه وميض.. فقال له: اسكت قاتلك الله لقد أرعبت قلوب المسلمين...
- لأجل هذا صفي الدين الحِلي لما عرض شعره على ناقد من نقاد العرب قال: أنا ما أعيب على شعره شيئاً إلاَّ أنه قليل الاستعمال للغريب.. قال: حسناً سوف ترى الغريب هنا..
إنما الحيزبون، والدردبيس، والطخا، والنقاخ، والعلطبيس
لغة تنفر المسامـع منهـا حـين تـروى وتشـمئز النفـوس
وقبيح أن يسلك النافـرُ الوحشـيُّ منهـا ويتـرك المأنـوس
إن خير الألفاظ ما طرب السامع منـه وطـاب فيـه الجليـس
إنما هـذه القلـوب حديـد، ولـذيذ الكـلام مغنـاطيس
- الشاهد.. أني تقلبت في الأسفار، لكن دراستي الأولى كانت على الجد رحمه الله تعلمت اللغة الفارسية على يده، ثم بعد ذلك تعلمت على الوالد النحو والصرف، والبلاغة، والبيان، أمَّا علم المنطق فكان الوالد رحمه الله يحرمه علينا، فلجأت إلى شيخ آخر وكان مبتلياً بشرب الشيشة فكنت أدق له ورق التِّبغ ساعة ويدرسنا ساعة.
- بعد هذا تعلمنا على الوالد رحمه الله أول ما بدأنا بلوغ المرام، ثم مشكاة المصابيح، ثم درست عليه البيضاوي، وكان الوالد يحب العبور على الكتب حتى الكتب غير المدرسية النظامية، فقرأني جزءين من تفسير الطبري، وقرأني الكشاف كله لأن فيه معاني كتاب الله، وقال لي: إنَّ الرجل معتزلي لكن ما عليك من اعتزاله لأنك ستقرأ العقيدة والإِيمان وتستطيع أن ترد على اعتزاله فقرأني الكشاف كله، وقرأت عليه مختصر المعاني للتفتازاني وقرأنا عليه المصطلح وألفية السيوطي، وألفية العراقي، ومقدمة ابن الصلاح.. كل هذا في الأصول. بعد هذا طلب أن نقرأ عليه سرداً تدريب الراوي للسيوطي، وكان في زماننا يقرؤون أيضاً شيئاً من الفلك، وعلم الهندسة والرياضيات، لكنني فضلت أن أدرس قليلاً من الطب، ومبادئ علم النبض، وعلم تحليل البول، وبعض العقاقير وعندي جزء من كتب الرازي وابن سينا وغيرها من الكتب القديمة، وكنت مولعاً بعلم الفلك أكثر.. بعد ذلك درسنا العروض والشعر بالفارسية والعربية، وأتقنت اللغتين على الوالد والجد رحمهما الله، واضطررت أن أدخل المدرسة لنيل شهادة علمية فدخلت مدرسة اسمها رفيق العلماء وحصلت منها شهادة وتوظفت، ثم بعد ذلك اختبرت لشهادة البكالوريوس من جامعة بهاودبور، هذه الشهادة لا زالت موجودة عندي وتوظفت بدرجة عالم، ثم بعد ذلك حصلت على شهادة ماجستير من جامعة دلهي وهي الآن مقدمة للأزهر ورأيهم أن تعادل بأقل من هذا وأنا مُصر أن تكون ماجستير لأنها قديمة.
- بعد ذلك كتب لي الشيخ عبد الرحمن الإِفريقي مدير دار الحديث بالمدينة شهادة بخطه، وكتب لي الشيخ عبد الرحمن حمزة شهادة بخطه، وأيضاً كتب لي بعض الشيوخ العرب بالإِضافة إلى السَّنَد الذي أحمله من الوالد عن كتب السنَّة والتوحيد والعقائد.. إلخ.
- أما الأعمال التي اشتغلتها فهي كالآتي: عملت أيام الشيخ عبد الرؤوف صبان معاوناً لمصلحة تقوم بحصر الأشخاص الذين توزع عليهم الصدقات، وعملت في مكتبة الحرم في أيام الشيخ عبد الله كتبي رحمه الله، وأحمد عبد الله دحلان حيث نسخت لهم كتباً كثيرة، كما نسخت لهم بعض المخطوطات التي كانت عندي لأني تجولت في البلدان العربية، ونسخت قبل أيام التصوير بخطي مجلدات منها كتاب العلل للدارقطني رحمه الله، نسخته من المكتبة السندية بحيدر آباد، وكتاب الأبجام للشيخ عبد الرزاق نسخته من مكتبة الإِمام أحمد بن يحيى حميد الدين ملك اليمن عندما زرت اليمن، واتصلت في اليمن بالشيخ محمد زبارة وكان وزير المعارف، ومن رواة الشعر، ومن أساتذتي باليمن الشيخ عبد الرحمن المعلمي الذي مات بمكة وكان أمين المكتبة في أخريات أيامه ودرست عليه علم الفرائض، ونسخت أيضاً كتباً أخرى بدار الكتب المصرية كمشيخه البرزالي، ومعجم الطبراني جزئين، كلها نسختها بخط يدي وما زالت موجودة. بعض هذه الكتب طبع، وقبل أن يطبع كتاب مجاز القرآن لأبي عبيدة أيضاً نسخته من دمشق من الظاهرية، فأهديت بعض هذه الكتب بخطي إلى مكتبة الحرم ولا زالت محفوظة عندهم، وأيضاً بدار الكتب المصرية كتاب انتقاض الاعتراض بخطي عندما طلب مني فؤاد السيد الذي كان أمين الفهارس وكان يراني أحب الجلوس على الأرض عندما أكتب بدل الطاولة، وجاءتني استفسارات وأوضحت لهم بأني أرتاح عندما أكتب وأنا جالس على الأرض، وعلم أني أحب أن أكون أطول مدة في المكتبة فكان يجدني أول الحاضرين وآخر من ينصرف، فتمَّ الاتفاق بيني وبينه على أن يقفل عليَّ ظهيرة النهار، وعندما يفتح العصر أكون داخل المكتبة.. على كل حال:
طويت بإحراز الفنون ونيلها
رداء شبابي والفنون جنون
فلما تعاطيت العلوم وَحدَّها
تبين لي أن الجنون فنون
 
ثم أنشد المحتفى به قصائد من شعره بدأها بالقصيدة التالية:
زفرت في الدُّجَى نفوسٌ تقرَّح
راعها ماردٌ من العشق يَمرحْ
فتباكت وجفَّ منها مآقٍ
باخلات فليست اليوم تنضح
ضيعت ماء عِزّها في هَوَاها
مِن قَبيحٍ إلى الذي هو أقبح
نفثاتٌ تثيرها وهي حَرّى
إنها اليوم في الندامات تلفح
أمسِ كانت تذوب في شهوات
لا تبالي بكل ما فيه تسرح
فإذا ما قضت لبانات وجد
تتمطّى وتنتشي وتَرَنَّح
باغتتها قوارع من نذير
فانزوت لا تُرى ولا تتلمح
ثم عادت إلى الدموع اعتصاراً
علها تغسل الخطايا وتنصح
حين كانت طيوفها في خضم
جِيَفـاً قـد طَفَتْ وهـا هـي تسبح
ويك يا شهوة تركت لهيباً
بلبـل الشـوق بعـدها ليـس يصدح
 
ثم ينشد قصيدة أخرى:
تضج الروح إيقاظاً لحسي
إذ الآمال تأوي نحو نفسي
وأحلامي يلازمها شقاء
يكاد يكون عقدة كل بؤس
وتنبعث المنى عندي كلوماً
يزرن بصيرتي الحمقاء رمسي
لها كنه قد استعصى دراكاً
يضيع لسبره لحني وجرسي
ظللت أشك في سكري فلما
وَصلتُ لِحَدّه أذهبتُ يأسي
لأهجع في حجور الشوق حتى
إذا حان الوصال رفعت رأسي
قد استوت الحياة إذن فيوم
لميلادي كيوم كان عرسي
طيوف هذه الآمال مدت
ظِلالَ زهورها من كل غرس
حواشيها مضمخة بطيب
يذيب أريجه نبرات همسي
كأني حين أثملني طلاها
محوت به جراحاً منذ أمسِ
ثم أنشد قصيدة أخرى وقال هذا نوع من الغزل:
زاد الهيام وهاج فرط جنوني
وتقرحت بدموعهن جفوني
ذرفت لي العينان في شكواهما
وسريرتي الكلمى تذيب أنيني
يلتاع قلبي في سعير غرامه
فكأنما الأضلاع ثمَّ أتون
يصلى فؤادي كل يوم ناره
وأعيش مغتصاً بحال حزين
اعتضت من طيب المنام تسهداً
ومن المعزة منتهى للهون
صفو تكدر أو تحنظل ما حلا
أم ذاك خل يستفز شجوني
- إلى آخر هذه القصيدة الطويلة.. لأني أود أن أقدم لكم بعض النماذج فقط؛ ثم قال: وهذه قصيدة غزلية أخرى:
لي حبيب بَدْرُ تمٍّ
لست أرضى عنه سلوه
وله خد أسيل
وشفاه هي حُلوه
فإذا صد فذا منه دلال فيه رخوه
لو رأى العاذل يوماً
وكلانا وسط خلوه
نتناجى في صفاء
مثلما يفعل إخوه
نتساقى الوصل عذباً
عسلاً من غير رغوه
لأصطلي ناراً لغيظ
ملئت عيناه عشوه
نحن عنه في اعتزال نجتني من كل زهوه
وعلى رغم عدانا
قد حبانا الحب صفوه
وتذكرنا عهوداً
قد قضيناها بربوه
وطرحنا كل هم
جانباً من كل قسوه
ننتشي بالوصل إلاَّ
ما نهتنا عنه نخوه
نطفئ الشوق كجمر
قبلاً من دون شهوه
خسر الشيطان إما
ينزغن اليوم نزوه
فلنا العرض مصون
لم نقع فيه بهفوه
ولنا عز رفيع
لن نهين العز كبوه
ما طربنا أو لعبنا
أو تجاذبنا بصبوه
أو لهونا في غناء
أو تمازحنا بندوه
أو تخاصمنا جهاراً
وتشاكينا بجلوه
فلنا في ظهر هذا الحب بالأخيار قدوه
ولنا فيهم مثال نحتذيه خير أسوه
ولنا حب شريف
طاهر يحتل ذروه
عنصر سام تزكَّى
فيه للصوفي رجوه
إنه للعقل نور
إنه في القلب جذوه
إنه منية نفس
إنه لذة نشوه
فعلت باللب فعلاً
فاق ما تفعل قهوه
أثملت مني الحنايا
فلها كالخمر سطوه
إنني فيها سعيد
فرَّ عني كل شقوه
هذه غاية حبي هي عندي جل ثروه
لست أرضى لي سواها
إنها أكرم خطوه
 
- إلى آخر القصيدة التي ختمتها بهذين البيتين
خالف النفس ولو أوتيت في العصيان رشوه
إن ماء العز لو أهريق لا يجمع حثوه
 
- وهذا نوع آخر قال المحتفى به هذه العبارة ثم قرأ البيتين التاليين:
من للفؤاد المعنى
يزيل عنه الجراحا
فإن نفسي ضاقت
في أسر حب أتاحا
.. إلخ.
 
- ثم قال وهذان بيتان من شعر الوداع:
آذن اليوم بالرحيل زميل
فسبيل الدموع جرح يسيل
كيف لي بالوداع والقلب دام
والأنين الخفيّ عندي عويل
 
- ثم قرأ الأبيات الأربعة التالية:
كيف تقلي محبك المستهاما
بعد أن ذاب فيك وجداً وهاما
هل جزاء الوداد أن تتناسى
كل ما قام بيننا واستداما
ثم تمحو سطور ماض كتبناها
بريق الوصال عاماً فعاما
إن قلباً تمكن الحب منه
أفمن حقه بأن يستضاما!
 
ثم قال: ومن شعر العتاب هذا البيت:
إلى كـم ذا الصـدود عـن الصحاب
وكم بالضن حتى بالجواب
 
- وهذه القصيدة نشرت عام 79 في قافلة الزيت، نشرها الأستاذ شكيب الأموي وفيها نوع من التأويب:
أبعد عقـل سـرت في القلب صبواتُ
أم ذكرتك عهـودَ الوصـل ربـواتُ؟
قد شوقتك مغانٍ كنت تألفها
وأطربتك مقامات وندوات
هجرت عزلتك الطولى ووحدتها
فلست ترتاح إن آوتك خلوات
فأين منك الحجا قـل لـي فذا عجب
ألم تلقنك درس الرشد كبوات؟
- إلى آخر القصيدة..
 
- وهذه أبيات من الخفيف أقول فيها:
أتحسب أن حبي عنك وَلّى
أما والله لم يك ذاك كلاَّ
خيالك شاخص أبداً أمامي
وحسنك ماثل مما تجلى
وإني إنْ أغب عنكم ملياً
ولم أحضر لزورتكم لئلا
تملوني، فذا عذرٌ صحيح؟
فلا عبث الحبيب ولا تولى
- إلى آخر القصيدة...
 
- ومما أحب أن أسمعكم إياه بعض الإِخوانيات التي تشمل على شيء من الطرافة. فالشيخ أحمد إبراهيم الغزاوي رحمه الله كان بيني وبينه مساجلات أدبية، وكان يزورني يوم الجمعة بالخلوة، وقد أرسلت له قصائد كثيرة وكان يجاوبني. ومن جملة القصائد التي كتبها لي بخطه قصيدة جاء فيها:
هيهات مـا كـان هذا الظن في خلدي
يوماً ولا ازداد إلاَّ بالنُهى كلفي
أإن عراني سقم كاد يقعدني
تظن بـي غير مـا أيقنت مـن شغفي
الحق أني لم أسطع مساجلة
في الظاء مـن حيث لـم تجمل ولم تقفِ
والشين والغين مـا حاولـت نظمهمـا
إلاَّ انقطعت فليس الياء كالألفِ
ويضيف قائلاً:
فمـا السوابـق تعدو وهـي ضابـحة
كالثاغيات ذوات الخُفِّ والزُلَفِ
مهلاً رويداً فإن الشعر أجمعه
مـن أصغريك فمـاذا كـل مرتشفِ
رصعته بعقود العلم فأتلقت
بـه الطروس وأعيـا كـل مُعتسـفِ
فكيـف وهـو بحسن الخـط مشتمل
كأنه الدر مجلواً من الصدفِ
أمـا الحمام (1) فلا أدري أكان علـى
علمٍ بذلك أم لم يحظَ بالطُّرفِ
وهل بعثت إليه مثلها فمضى
من دون ردٍّ أم استكفيـت بالخَطَـفِ
وقد أراه قرير العين مغتبطاً
في أن يجلك في سيارة الصحف
إن لم يكن قد تلقاها منمقة
فعذره واضح في غير ما جَنفِ
أما أنا ففؤادي لا يزحزحه
منك العتاب ولو أمعنت في السَرفِ
عرفت فيك البيان الحر أقذفه
فـي مجرح مـن حمى أنماطك السلفِ؟
فاهنأ بعامك واقبلها مبجلة
باليمن والسعد... إلى آخرها...
 
- وكان بيني وبين الأديب الشاعر حسين سرحان بعض المداولات فأرسل لي قصيدة هائية يريد أن يظهر عيي وعجزي يقول فيها:
فيا بليغ اللسان خذها
قصيدة بتُّ أصطفيها
فمن سواك يفك عنها
مواسك الحرز أو يعيها
يلين منها لديك صعب
ولا تني لو نظرت فيها
عصرت فيها لبـاب فكـري
لعلك اليوم تنتقيها
 
- فرددت جوابه بقصيدة معارضة لقصيدته وزناً وقافية وغرضاً، فقلت:
إليك شعري غدا نزيهاً
وكنت مهياره النبيها
نخلته فاستقام معنى
و ليس في لفظه كريها
وما ادعيت به فخاراً
ولم أسقه إليك تيها
فأنت رب القريض حقاً
عدمت قِرناً به شبيها
حجاك مخزونُهُ لُغَاهُ
ظللت في علمها فقيها
وليس ذا في النظيم مدحاً
إذا بدا قولـه مديها
وإنما الذكريات هاجت
وكنت عنا لها الشفيها
أيا أخا الشعر والتصافي
ويا نديماً لنا وجيها
ألم يكن ودنا متيناً
ومجتبانا به رفيها؟
وما الذي غير الليالي
فلست فينا بها أبيها
وذا عتابُ وثق بأنّا
على عهود ولن تفوها
فإن يكن ذاك منك دلاً
فلا يقول اللسان إيها
وإن يكن ذاك منك جفواً
فعد بأسراره بديها
فإنه اشتمَّ منك هجراً
فما بعاد غدا نكيها
 
- لكن الشيخ أحمد غزاوي يرحمه الله بعث إليَّ قصيدة حول حادثة السَّيْل الذي تعرضت لها ونشر عنها الصحفيون أخباراً طريفة قال فيها:
لا السَّيلُ يغرقه ولا تهدارُه
بحرٌ تدفق طامياً تَيَّارُه
وهب الصحافة علمه وبيانه
وبه تجاوب ليله ونهاره
أأبا تراب والحياة تجارب
يخشى ابن آدم قطبها ومداره
ما كنت إلاَّ في نجاتك آيةً
لله في داجٍ همت أمطاره
والبرقُ يومـضُ والرعـود قواصـفٌ
وزقاق حدة لجة أقطاره
ماذا عراك وما دعـاك إلـى الــذي
يخشى عليك ضراؤه وضراره
إن لم تهب هـلا اتأدت فلـم تـخض
في اليم حتى يستقر قراره
أم كنت مـن سَهَرٍ يداعبـك الكـرى
حتى أحاطك سوره وسواره
تهنيك من هذا الملم سلامة
هي للصديق دماؤه وذماره
والله قد نجاك مما يتقى
بدعاء من يكفيك منه جواره
ولنا بأنك قد نجوت بشارة
يحظى بها من سرك استبشاره
فأقم لشكر لله خير وليمةٍ
يدعى إليها من هواك بداره
واجعـل سبيلك بعــد ذلك مرفقـاً
رأد الضحى مهمـا سجـا استدبـاره
واسجع وغرد وارتشفها نشوة
ما الإِثم طاف بها ولا آثاره
 
- فقلت له جواباً عليه:
يا من طمَتْ بجميله أشعاره
شكراً ويحلو فيه لي تكراره
إن لم يكن عبر السيول غريقها
فكفى غريقي في المديح غماره
هذي يـدٌ لك لسـت أنسـى برهـا
فالخل ينعش روحه استغفاره
خـف المصـاب إذا شعـرت بكربتي
ونظمت ما قد حق لي إكباره
كالدر والمرجان يسمو قدره
والروض تزهو في الربا أزهاره
لا أستطيع جزاء ما أوليتني
لكن لساني سرَّني إقراره
أما دعاؤك أن أقيم وليمةً
فأخوك يعذره بها إعساره
فإذا حباني الله من أفضاله
ففدا الأحبة كبشهُ وجفاره
هذا وإني للمهيمن حامد
إذ أدركتني في الدجى أسفاره
فنجـوت مـن غـرق لأشكر لطفـه
وله الثناء ولا يفي إكثاره
- إلى آخر هذه القصيدة الطويلة.
- ومن الشعراء الذين تمت بيني وبينهم مراسلات شعرية الشاعر محمد مصطفى حمام يرحمه الله... فقد حييته بقصيدة تعمدت أن تكون ضادية حتى لا يجاوبني عليها لكن الشيخ جاوبني عليها ارتجالاً، أقول فيها:
أتت بشـرى قدومـك عنـد بعـض
فهنأ بعضنا بعضاً ببعض
فلما أن رأينا في اشتياق
محيا الخلّ يومض أي ومض
هببنا للتحية في عناق
فقد جاء الحمام بكل قض
حمام قاهري جاء يشدو
بأزجال وأشعار وقَرْض
سَميّ الطير لكن ليس طيراً
وإن يك طار من أرض لأرض
فأعددنا التهاني مرسلات
أعنتها بدت من دون قبض
لمن قد حل ضيفاً بعد هجر
وما هَجْرُ الحمام لنا ببغض
تلقى راية الشعراء فينا
فأعلاها خفوقاً بعد خفض
وذب عن اللغى نظماً ونثراً
ولو مال الإِناس لحب نقض
أتاهم بالجواهر واللآلي
فباعوا بالحصى نفلاً بفرضِ
لئن لم تعرف الأجيال قدراً
لشخصك فاتركن صوناً لعرض
وعد للسجع نوحاً في هديل
وأعرض عن حزاورة (2) برفض
عوى العاوون في حردٍ وبغض
وما سميتهم إجلال قرض
أيهزأ بي أناس لم يعوا ما
أقول وما دروا بطشي ووخضي
فأجاب الأستاذ محمد مصطفى حمام وقال:
يدانيني الأديب أبو تراب
من القربى بقرض بعد قرضِ
إذا أسقيته قطرات حب
فإني ظافر منه بفيض
وإن أتحفته بأصيص مدح
فإني من مدائحه بروض
وطوع يمينه درر المعاني
يدانيها بتنسيق وعرض
وكم زف العرائس من بيان
وأرسل بعضها في إثر بعض
عرائسه تروق لكل ذوق
وتمتع كل ذي قلب وتُرضي
فمن أم اللغى ملك النواصي
فإن تر مشكلاً فإليه فامضِ
يحاول في قواعدها فيهدى
ويفتي في غوامضها ويقضي
فإن تكن اللواء يقم عليه
بما قد شاء من رفع وخفض
وإن تك طائراً في الجو يحكم
جناحيه ببسط أو بقبض
يذلل لفظها ويخوض فيها
ومن لك في مناكبها بخوض
يجيئك لفظه سهلاً مريحاً
وقد يأتي من الصعب المُمِضِّ
فبعض بيانه كلذيذ لثمٍ
وبعض بيانه كأليم عض
وفي الحالين تنفذ في سلام
إلى أقصى مراميه وتُفضي
وكل نباته عندي جميل
كشفَّانِ من الريحان غض
وعندما مات رحمة الله عليه رثيته بقصيدة تقول:
سكت الحمام حنينه وهديله
فليبكه شعر يطول عويله
سـكت اللسان الذرب بعـد فصاحةٍ
فتقلَّص الروض العبيق ذليله
مات الذي وهب البيان حياتَهُ
لم يكده إعجازُهُ ودليله
فَلْيبكه الأدبُ الرصين بدمعةٍ
حَرَّى وتلك من الوفاء قليله
- إلخ..
- ولا شك أن هناك قصائد أخرى كثيرة ولكني لا أحب أن أطيل عليكم، ولذلك سنختم حديثنا عن الشعر بقصيدة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم والابتهال فلقد نظمت في المدينة قصيدة أقول فيها - في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام:-
يا من شفاعته مرامٌ يرتجى
إجعل مديحي من رضاك مدبجا
أهدي إليك قوافياً ترنو إلى
شـرف القبـول وأنـت أفضل ملتجا
ذو المعجزات الباهرات بوقعها
قد أذهلت فـي الكون أربـاب الحجا
الوحي والفتح المبين وسيفه
والبدر منشقاً رأوه أفلجا
والماء يجري من أنامل جوده
والصخر خاطبه لساناً ألهجا
والعين رد بكفه فرأت به
بين الخلائق نوره إذ أسرجا
أسرى به رب الأنام بجسمه
وبراقه يطوي الفدافد مدلجا
حتى إذا صلى بأقصاه سما
نحو السمـاء زهـت بـه أن يعرجـا
وملائك قد رحبت بقدومه
والأنبياء هناك في ليل سجا
إلى أن أقول:
رفع الجلال مقامه بجماله
فالخلق تحت لوائـه عقـدوا الرجـا
إذ يلهم المولى محامد ذاته
فيقولها الماحي فيعطي المخرجا
هـو عـاقبٌ هـو حاشر هـو رحمة
هو بالعباد رؤوفهم قد فرَّجا
يمحو سدوف الشرك في توحيده
فمن استجاب لــه فحقاً قد نجا
يا سيد الثقليـن كـم لـك حُظْـوة
ومكانة من شأنها أن تبهجا
هب لي شفاعتك التي أعطيتها
فأنا المسيكين الـذي يشكـو الوجـا
وتناوشتني من جميع جوانبي
نوب الذنوب وأنت كنـت المرتـجى
صلني بعطـف مثـل عطفـك حينما
حن الجُذيع بعيد عطفـك أو شجا
أنت الإِمام وأنـت شـمس للهـدى
صلى عليك الله مـا انجاب الدّجى
- إلى آخرها، وهي قصيدة طويلة.
- وهذه قصيدة أخرى في مدح الرسول أقول منها هذه الأبيات:
وجدي قديم وعنـدي مهجــة تثب
نحو الشفيع وما لي غيره إربُ
يا قلب هــذي ديــار الهاشمي بدت
للعين فانظر رباها مثلما يجبُ
وانظر إلى مسجدٍ يسمو بنسبته
إليه إذ أمه دان ومغتربُ
محمد قد ثوى فيه وصيره
من لابتيه حريماً ما به رهَبُ
فإن أتيت مزاراً فيه تربتُه
فقف خشوعـاً كمـا يقضي به الأدبُ
وقل أيا سيّد الكونين مسألتي
شفاعة منك عند الله تحتسب
واغسل ذنوبك بالدمـع المراق هنــا
أمام قبـر لــه فـوق الـورى رُتبُ
يا أكرم الخلق ها إني أتيتك في
حالٍ بئيسٍ لكــي أحظــى بما تهبُ
فجُد وسـل لـي إلـه الحق يلطف بي
حاشا لبابك أن يرتد لي طلبُ
وأنت أعطاك رب الناس منزلةً
تعلو وقـد رُفعـت من دونك الحُجبُ
فكن شفيعي لكن أنـجو الغداةَ فلا
مالٌ هناك، ولا جاهٌ، ولا نسبُ
إلاّ شفاعتك الكبرى التي شملت
أهل الشهادة إنْ في غيهم ذهبوا
 
- ونحتم الآن بابتهال حيث قلت في بعض الابتهالات:
عبد ببابك قد أتى يتذلل
حيث التذلل في جنابك أجملُ
عبد أثيم أثقلته ذنوبه
فأتاك يعثر في خطاه ويوجلُ
وَلَّى لــه ماض بأوزار غــدت
سودا كمثل الليل بـل هـي أليلُ
يبكي على ما فاته متحسراً
وسواك ليس له إلهي موئلُ
إني قصدتك والخطايا جُمَّعٌ
بصحائف الأعمال مما أحملُ
إن لم تجد بالمحو كل قبيحها
فمـن الـذي يمحـو الذنوب ويغسلُ
يا غافر العصيان جئتك راجياً
فارحم مُسيكيناً ببابك يسألُ
هل للضعيف سواك ربٌ راحمٌ
كلا فأنت المحسن المتفضلُ
كثرت عيوبي كلما أحصيتها
ولديك ستر بالتجاوز مسدلُ
فامنن به يا من يحيط بحالنا
واصفح بإحسان إذا هو يسبلُ
يا من يجيب بفضله المضطر إذ
يدعو فيكشف سوءه إذ يعولُ
أنت الكريم بعفوه وسماحه
يا عالم النجوى وأنت مؤمل
منك الغياث إذا ألمت كربةٌ
يخطو بها يوماً ولا تتزيلُ
- إلى أن أقول:
يا رب ليس لأي كرب فارج
إلاك فاكشف كل هم يعضلُ
يا رب ما لي حيلةٌ ووسيلةٌ
غير الرجاء به عليك أُعَوِّلُ
يا من تفرد بالكمال ومجده
هذي دموعي في رحابك تهمُلُ
يا واسع الجود العظيم بفضله
ومُهَيمناً عن خلقه لا يغفلُ
فاغفر لعبد جاء بابك ضارعاً
والمد من رحماك مُزنٌ يهطِلُ
- ومما روينا في الحديث الشريف عن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول أنس بن مالك: علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام أن كفارة المجلس سبحانك اللهم وبحمدك أسألك اللهم أن أستغفرك وأتوب إليك ثلاث مرات. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :2071  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 109 من 149
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

الأستاذ الدكتور عبد الله بن أحمد الفيفي

الشاعر والأديب والناقد, عضو مجلس الشورى، الأستاذ بجامعة الملك سعود، له أكثر من 14 مؤلفاً في الشعر والنقد والأدب.