شارع عبد المقصود خوجة
جدة - الروضة

00966-12-6982222 - تحويلة 250
00966-12-6984444 - فاكس
  • بدأت الثنينية البث المباشر لفعالياتها بتاريخ 29-12-2014 مواكبة للتطور التكنولوجي
  • لمتابعة البث المباشر يمكنكم زيارة قناتنا على اليوتيوب أو متابعة الموقع الرسمي للاثنينية أثناء الفعاليات
  • تتوقف "الاثنينية" لموعد يحدد فيما بعد.
  • تعاود الأثنينية نشاطها في وقت لاحق بعد الانتهاء من الأعداد و التنسيق
  • الأن يمكنكم مطالعة و تحميل الجزء ال 31 من سلسلة كتب الاثنينية على الموقع
  • تم الانتهاء من الموقع الاليكتروني الحديث للاثنينية بما يتوافق مع العالم الافتراضي الحديث, نرجو ابداء الرأي في الموقع الجديد و التصميم الحالي عن طريق الاستبيان
  • يوجد في الموقع أكثر من 33 ألف صورة توثيقية لحفلات الاثنينية على مدار 33 عام , تابع ألبوم الصور
                  البحث   

مكتبة الاثنينية

الرئيسية > سلسلة الاثنينية > الجزء الثاني (سلسلة الاثنينية) > حفل تكريم الأستاذ السيد حسن محمد عبد الهادي كتبي (اثنينية - 15) > كلمة المحتفى به معالي السيد حسن كتبي قرأها نيابة عنه الأستاذ حسين نجار.
 
نص حديث معالي الضيف
ثم ألقى الأستاذ حسين نجار نص الحديث الذي كتبه معالي السيد حسن كتبي والذي تضمن مجمل سيرة حياته وهو كما يلي:
- بسم الله الرحمن الرحيم: حضرات السادة الكرام، أشكركم أجزل الشكر على تفضلكم بالاستماع إليّ في التحدث عن دور حسن كتبي المتواضع أشد التواضع، المحدود في أضيق الحدود للحياة التي عاشها في محيط أصبح يزخر بالحركة الأدبية والفكرية والثقافية القوية المتتابعة المتسابقة في شتى الاتجاهات والحضارات؛ كما أشكر صديقي بالذات وبالوراثة الأخ عبد المقصود خوجه الذي أصر عليَّ في الاستجابة لهذه الدعوة تكريماً منه لما عَرَفَ من أواصر صميمة ومحبة صادقة تربط بيني وبين والده الجندي المجهول محمد سعيد عبد المقصود رحمه الله. وفي الحقيقة إن الشيء المتجسد في هذا اللقاء الذي يفوق التقدير هو الشخصيات الكريمة الفعالة الحاضرة في هذا اللقاء؛ لأن كل شخصية لها وزنها الذي يفوق التقدير من حيث ذاتها، ومن حيث كفاءتها، ومن حيث الهالة التي تبرز وجودها، وتحث بذلك الوجود، وتقدمه في البروز لتبهر بإشراقتها المشاعر بالشخصية التي تحيط بها أدباً وفكراً واستقطاباً للأحاديث التي تجتذب القلوب.
- أما عن دور حسن كتبي المتواضع في الحياة التي عاشها فلا يتجاوز قطرة في بحر لا تعرف له أي مقاييس إن كانت أحدثت زيادة في ذخيرته أو ذابت في موجاته. ولكن المشكلة في هذا الشأن على ضآلة الدور الذي أداه كُتِبَ في حياة هذا المجتمع الذي أوشكتْ أن تنحجب علاقات وجوده البدائية في زحمة النشاط العارم الذي يعيشه الجيل الصاعد؛ المشكلة أن هذا اللقاء قد حرك صحائف الماضي وجهاً وقفاً، بمعنى أنه جعل تلك الصحائف التي كانت تقبل بوجهها عليه، تدير بظهرها إليه لتعطي وجهها للسامعين، وقد حدث هذا التحرك بدون سابق إنذار أو إعداد، ولكن بمجرد إلحاح وإصرار من أخي عبد المقصود خوجه ورغم موافقتي على الاستجابة له وجدتني أحس بعمق أنني من جيل ينطبق عليه وصف المتنبي:
سُبِقْنا إلـى الدنيـا ولـو عاش أهلها
مُنِعْنا بـها مـن جِيئــة وذُهـوب (1)
تملكها الآتـــي تـملك ســالبٍ
وفارقهـا الـماضي فـراق سليـبِ
- فليس علي من بأس أن أترك لتلك الصحائف أن تعلن عن مكنوناتها ولو لم يكن صدى هذا الإعلان يتجاوز دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء.
- وقبل أن أخوض في التحدث عن الشخص الذي عرفته باسم حسن كتبي أحب أن أبدأ من النَّواة التي يعرفها كل إنسان؛ وهي أن المجتمع يتألف من الأفراد، وتاريخ كل أمة يتألف من صنيع أفرادها، ولكن الشيء الذي أحب أن ألفت النظر إليه هو أن المجتمعات التي تبدأ نموها من جديد، أو التي نامت عن تراثها، ثم استيقظت من غفلتها لتستعيد مركزها الحضاري، وتستدرك ما فرطت فيه، هذه المجتمعات تكون حركة بدايتها بطيئة وقاسية وصعبة، ولا تتم إلا بمعاناة شديدة حتى إذا تكاملت طاقتها، وتوفرت لها أسباب النضوج والتكوين القويم، فإنها تتحرك بسرعة ويسر على أبعاد شاسعة، وهي غالبا ما تتجاهل المعاناة التي عاشها الرعيل الأول في جمع الذرة إلى الذرة، والقطرة إلى القطرة وفِلِزَّ الحديد البارد لصنع السبيكة الأولى، ووضع القواعد الراسخة لإِقامة البناء الذي تحركت جميع الطاقات بعد ذلك في إقامته.
- ولعلنا نحس بوجود نوع من هذه الانفصالية في الشخصية الاجتماعية تلتقي عندها مفارقات قوية، ولكن لحسن الحظ أنها انفصالية سطحية، لا جذور لها ولا تلبث في كثير من الأحيان أن تمحوها الأصالة العريقة في هذا المجتمع الكريم الذي يقوم على الأخلاق والدين؛ ولعل روابط الأخلاق والدين التي تحرص جميع طبقات الشعب السعودي على إقامة الحياة العامة عليها وإشرابها روحها، وتنسيق وجودها عليها، هي ما تشكل صمام الأمان للترابط بين الأجيال المتعاقبة بهذه الأمة، ويشد بعضها إلى بعض ويقوى أزرها بتفاعلها الطبيعي.
- وبعد هذه الإِلمامة التي كان لا بد منها أحب أن أتحدث عن حسن كتبي حديثاً مكتوباً؛ لأنه توجد أسباب تجعل الاسترسال في الحديث المرسل متعذراً بالنسبة إليه، لقد عرفته طالباً في مدرسة الفَلاَح في السنوات الابتدائية يتأرجح هواه بين العلوم الدينية على الأساليب التقليدية وبين الأدب والتاريخ وعلوم اللغة العربية وغير ذلك من العلوم المصاحبة لها؛ وكان معجباً بأساتذته في العلوم الأدبية واللغة العربية والتاريخ: عبد الوهاب آشي، والشيخ حمدي، وحامد كعكي.
- فقد كانت فطرة شباب هؤلاء الأساتذة الروحية، والهيئة الخارجية وثقتهم في نفوسهم، وتصورهم للحياة تصوراً زاخراً بالثقة والطموح، وأسلوبهم في نقل العلوم التي يدرسونها لطلبتهم تقوِّي أواصر الود بين الطالب وأستاذه؛ ولكن الوراثات الكامنة في روح الكتبي من أصوله جنحت إلى العلوم الدينية وكان أستاذه المفضل الذي يركن إليه، ويحرص على أن يكون مثله، هو الشيخ يحيى أمان، أستاذ الفقه وأصول الفقه.
- ولقد كانت أمنية الكتبي التي يطمح إليها أن يرى نفسه يتوسط حلقة من طلبة العلم في المسجد الحرام، يصول فيها ويجول في شرح التشريع الإسلامي فقهه وأصوله، يجمع ويفرق بين أقطاب هذه العلوم، ويرجح قول هذا، ويقارن بين آراء الفقهاء واجتهاداتهم. وكانت أفضل رؤآه أن يجد نفسه مُغَيَّباً بين أكداس الكتب التي تحوي هذه العلوم، ليأخذ من هذا ما يؤيد هذا، أو يناقضه، أو يرد عليه الدليل بالدليل، والاجتهاد بالاجتهاد حتى عام 1348هـ - حين قدم الحاج محمد علي زينل رضا مؤسس مدارس الفلاح إلى مكة المكرمة، لينفذ قراراً اتخذه، وهو اختيار أفراد من طلبة مدرسة الفلاح بمكة، وآخرين من طلبة مدرسة الفلاح في جدة، يؤلف منهم مجموعة يبتعثها إلى مدينة بمباي في الهند، حيث يقيم ويدير أعماله التجارية التي ينفق جميع مكاسبه منها على مدارس الفلاح التي أنشأها في مدن متعددة في البلاد العربية. وكانت هذه أول بعثة علمية تخرج من المملكة إلى خارجها، لإكمال الدراسات العليا، وقد كان حسن كتبي من بين أفرادها.
- وقد أراد الحاج محمد علي زينل من هذه البعثة أن يتخصص أفرادها في العلوم الدينية تخصصاً يمكنهم من إخضاع حياتهم الاجتماعية لتعاليم الدين وروحه إخضاعاً يقوم على معرفة ما يجري حول العالم الإسلامي من صراعات تحاول إغراقه في أعماقه، وتحوله عن روح الدين الحقيقية، وتعاليمه المستمدة من شريعة الله إلى شرائع تباعد بينه وبين الإِسلام. وفي الحقيقة إن الحاج محمد علي زينل حين أنشأ مدارس الفلاح كان ذلك في فترة زمنية من تاريخ هذه البلاد تميزت بالضحالة والاضمحلال في كل شيء؛ ويكفي أن يراجع المؤرخ تاريخ تلك الحقبة حين كانت حكومة الخلافة الإسلامية التي يتزعمها الخلفاء العثمانيون ويبسطون سلطانهم المهلهل الذي تقشعر من تصوره الأبدان على معظم البلاد العربية والإسلامية.
- ولقد أدرك الحاج محمد علي زينل أبعاد ما سيؤول إليه مصير تلك الأوضاع؛ فأسس مدارس الفلاح بقصد إنقاذ الحجاز وأهله من الخطر التركي الذي كان يستشري في أرواحهم وعقولهم؛ والحديث في هذا الشأن يطول الاسترسال فيه. ولكن كان لا بد من المرور به عند التحدث عن تكون مجرى حياة حسن كتبي التي نحن بصددها.
- وحين استقرت البعثة في بمباي وواجهت مسؤوليتها العلمية المكثفة المثقلة بالواجبات كانت سياسة الحاج محمد علي زينل تتركز على فتح عيون طلبة البعثة على أن واقع الحياة التي يحياها الإنسان غير تلك التي يقرؤها في الكتب؛ ولذلك كان يدفع الطلبة إلى أن يحسوا إحساساً عميقاً بواقع الحياة؛ ثم يدفعهم بعد ذلك إلى التعرف على ما في العلوم التي يدرسونها من حدود وقيود وتصورات تصحح ما يجري في الحياة الواقعية من أخطاء؛ ويغرس في نفوسهم أن حياة الإنسان المسلم حياة ملتزمة بتعاليم سماوية لا تخضع للنزوات والأهواء التي تصنعها التيارات الفكرية التي لا تعترف بقيود الدين وحدوده.
- ولقد كان الحاج علي زينل رحمه الله يتولى أحياناً تفسير ما يجري تحت أعيننا من أحداث في الصراع بين المسلمين والهندوس في الدعم الذي يقدمه الحاقدون على الإِسلام والمسلمين لأعدائهم ليمزقوا شملهم ويفرقوا صفوفهم؛ وكانت نفس الكتبي في هذه المرحلة من حياته تستوعب ما يدركه من معلومات علمية ومعلومات عن الحياة التي يحياها؛ وكان استيعابه لها بوعي تام وحيرة وقلق ومعاناة شديدة في التأليف بين تصوره للحياة قبل أن يلتحق بالبعثة التي كان يهنأ فيها بهناء العلم لذات العلم، وسعادة العلماء الذين يعيشون في طمأنينة نفسية وإيمانية يشرحون القضايا العلمية، ثم يختمون علمهم بالدعاء إلى الله أن ينصر الإسلام والمسلمين؛ ويعز دينه، ويذل أعداء الدين كما لو أن قضية الحياة هي التعرف إلى قواعد الدين وقضاياه، وتفسيرها. أما الصراعات القائمة لتحطيم هذا الوجود الذي يقوم على تعاليم الإسلام فيكفي فيها الدعاء إلى الله أن يتولى كفاية المسلمين شرها، فيعز المسلمين، ويذل أعداءهم بقوته وقدرته، إنه القوي الغالب، نفس دعوة عبد المطلب عند غزو جيوش الحبشة لمكة "اللهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك".
- ثم انتهت مرحلة دراسته بالبعثة ورجع الكتبي ملتزماً بعهد مع الحاج محمد علي زينل على أن يقضي حياته في نشر العلم، وخدمة الدين، والتعليم في مدرسة الفلاح بمكة. ولكن الكتبي حين رجع من البعثة كانت مفاهيمه عن الحياة قد تغيرت تغيراً جذرياً؛ ولم يستطع أن يعمل في مدرسة الفلاح بمكة فانصرف إلى الكتابة، وكان أول عمل كتابي انصرف إليه هو تأليف موسوعة للتربية على الأسس التربوية الحديثة التي تقوم على مبدأ: أن العلم للحياة، وأن كل طالب مخلوق له ذاتية متميزة عن غيره؛ وهذه الخليقة من صنع الله ولا يمكن لأحد أن يغير هذه الصبْغة المحكمة التي غرسها الله في فطرته، وأقام وجوده عليها.
- ولذا فإن التعليم في المدارس يجب أن يساير طبيعة الصبغة الكامنة في نفس كل طالب وطريقة تركيبه التي صنعه الله عليها. وحين أتم القسم الأول من هذه الموسوعة التي تتعلق بأطفال الحضانة، شغل عنها بوضع كتاب في السياسة الإسلامية ومقارنتها بالسياسة الاستعمارية؛ وذلك لأن صديقه محمد سعيد العمودي الذي كان حينئذ يلتقي به غالباً قدم إليه كتاب الأمير لميكافيلي الذي يشرح السياسة الاستعمارية، وكان الكتبي آنئذ قريب عهد بدراسة مقدمة ابن خلدون؛ لأنها كانت من ضمن مقرر البرنامج الدراسي في علم الاجتماع والسياسة الاجتماعية؛ فحفزه ذلك على وضع دراسة مقارنة بين سماحة السياسة الإسلامية وأساليبها السليمة في تكوين المجتمعات، وطغيان وفجور السياسة الاستعمارية وحقدها وانتهاكها للحرمات والحريات الفردية والاجتماعية.
- وكان من حظ هذا الكتاب بعد إكماله ونسخه باليد، انتصار الملك عبد العزيز - غفر الله له ذنوبه وأدخله واسع جناته - في حرب اليمن، فقدمت نسخة هذا الكتاب الوحيدة التي لم تكن له صورة أخرى هدية إلى الملك عن طريق نائبه في المنطقة الغربية الملك فيصل، ولقد قرأ الملك فيصل ذلك الكتاب بعناية كما فهمت من مدير مكتبه إبراهيم السليمان رحمه الله الذي قال لي بألفاظه وأسلوبه: أهنئك على كتابك فقد قرأه سمو سيدي من أوله إلى آخره وكان معجباً به. ثم تلقيت جواباً من الملك فيصل رحمه الله بهذا المعنى، ولكن الكتاب كما علمت استقر في يد فؤاد حمزة، ولم يظهر له أثر.
- وفي هذه الفترة كان فؤاد حمزة يحاورني للالتحاق بالعمل في وزارة الخارجية بإصرار شديد؛ ولكنني اعتذرت له؛ لأنني نذرت نفسي للتعليم وفاءً بعهدي على ذلك للحاج محمد علي زينل. وفي هذه الفترة ألح علي الشيخ محمد صالح نصيف أن أتولى رئاسة تحرير جريدة صوت الحجاز التي تحول اسمها الآن إلى جريدة البلاد، ولقد قيل لي إن ذلك الإلحاح بإيعاز من فؤاد حمزة، فاعتذرت منه باشتغالي بتأليف كتابي "السياسة"، ولكنَّه وسَّط لي السادة الأفاضل أعضاء مجلس الشورى: السيد علي كتبي والشيخ حسين باسلامة، فلم أستطع الانفكاك عن تحقيق رغبتهما، وسألت عن أسباب ترك أدباء كبار لرئاسة تحرير هذه الجريدة بعد أن عملوا فيها، وحين علمت الأسباب احتطت لنفسي بألا يكون لهذه الأسباب أثر على علاقتي بالعمل في الجريدة، فاشترطت على الشيخ محمد صالح نصيف عدم التدخل في شؤون التحرير، وفي كل ما ينشر في الجريدة، واستعدادي لتحمل المسؤولية الكاملة لكل ما ينشر فيها. ولكنه لم يطق الصبر وتخلى عن هذا الشرط جملة وتفصيلاً، فاعتبرت ذلك سببا كافياً لترك هذا العمل.
- وفي خلال هذه الفترة رشحني السيد صالح شطا رحمه الله وكان شخصية محبوبة ومتصرفة، رشحني للتدريس في قسم القضاء الشرعي بالمعهد العلمي السعودي، وكان ترشيحه بأسلوب الآمر الذي لا يعصَى له أمر.
- فقبلت هذا العمل الذي قد يتلاءم مع طموحي مضافاً إليه تدريس الأدب العربي والتاريخ؛ ولم تمض فترة من الزمن حتى اتضح لي أنه يجب إدخال تعديل جذري على قسم القضاء لتأهيله للاستمرار، ولم يتم شيء من ذلك. وبعد فترة من الزمن وجدت نفسي مدعواً للعمل في وزارة المالية مع نُخبة من الإِخوان هم: الأستاذ عبد الوهاب آشي الذي كان من قبل أستاذي المحبب، والأديب الكبير السيد محمد حسن فقي، والأستاذ حامد كعكي الذي نوهت باسمه من قبل.
- ولم أرتح كثيراً لهذه النقلة التي لم تكن ملائمة لطبيعتي وفطرتي؛ واستمر عملي في وزارة المالية في وظائف متعددة عملاً آلياً لا غاية منه، ولا تجاوب، ولا طموح حتى تركته، وانتقلت إلى مصر للإشراف على تعليم أبنائي هناك، وكانت هذه غاية من أهم الغايات في حياتي، وفي خلال فترة إقامتي في مصر حاول نجيب صالحة بشتى الأساليب أن يستدرجني للعمل معه، بترشيحي مديراً عاماً لوزارة المالية، ولكني امتنعت عن ذلك لأسباب شخصية، نوهت بها في كتاب "هذه حياتي" الصفحات 202 حتى 207، ثم شاء الله أن أوافق على تحقيق الدعوة التي وجهت إلي لإنشاء فرع للبنك الأهلي التجاري في القاهرة بقصد دعم العلاقات الاقتصادية بين السعودية ومصر، وتوثيق روابط الصداقة بين الشعبين، والإِشراف على توجيه رؤوس الأموال السعودية الفردية التي كانت تهاجر إلى مصر بغير رؤية؛ وقد تم تحديد هذه الغايات باتفاق مع وزير المالية الشيخ محمد سرور الصبان.
- ولقد استطعنا أن نحقق نجاحاً مشرفاً، الأمر الذي جعل وزير المالية في الحكومة المصرية السيد عبد المنعم القيسوني لا يفتر عن الإِشادة به، ثم انتهت تلك الجهود بإصابتي بمرض عضال بسبب الإرهاق فتركت العمل في البنك، وتفرغت للعلاج وبعد ذلك وجهت كل نشاطي لأعمال تجارية متواضعة محدودة.
- ولكن المتغيرات الزمنية والأحداث التي مرت بالمنطقة قذفت بي في صميمها، وحملتني بتياراتها على العمل لما تقتضيه مصلحة بلدي وحكومتي. وكانت هذه الفترة من تاريخ حياتي فترة لا إرادية، كما أنها لا تخضع لتكييف، وكانت ذات أهداف سامية لأنها صراع ضد عدو شرس هو الاشتراكية والشيوعية. كما كانت القيادة فيها مبجلة لأن الذي كان يصدر التوجيهات إنسان في قمة العظمة والقداسة. وفي هذه الظروف الحادة العصيبة وجدتني عضواً في هيئة المؤتمر الإسلامي الذي يكافح عن القضية الفلسطينية برئاسة السيد محمد أمين الحسيني رحمه الله؛ وعضواً في المنظمة العالمية في مكافحة الشيوعية، وممثلاً لرابطة العالم الإسلامي لمقابلة رؤساء الدول الإِسلامية للذود عن أهداف الرابطة وغاياتها وتنقية سمعتها من التهم التي ألحقت بها في ظروف تأسيسها.
- وكانت هذه الجهود تستدعي حركة دائبة، وأسفاراً متصلة، وانشغالاً بالكتابة في الجرائد، وإلقاء الخطب في المحافل بإيضاح الحقائق التي نسعى لإبرازها. ومكافحة التيارات الشرسة العارمة التي كانت تزحف على العالم الإِسلامي لتشقق كيانه وتهدم بنيانه؛ ولقد عرفت من أوضاع المؤتمرات التي كنت أحضرها للمشاركة في معالجة قضايا مصيرية أشياء لا يُغَيِّب أثرَها الزمن، مهما تقادم. وكذلك في الانطباعات التي انطبعت بها في محاولة تنقية الأجواء التي أحاطت برابطة العالم الإسلامي عند تأسيسها إذ أن الرئيس أيوب خان الذي بدأ بحملة عارمة عند لقائي به على من يتركون الشعارات الإِسلامية التي رفعت من شأنهم وسودتهم على شعوب العالم الإِسلامي، ويرفعون الشعارات القومية التي تضعف من قوة الروابط المستمدة من العقيدة.
- وبعد أن شرحت له حقيقة الموقف السعودي من التمسك بتعاليم الإِسلام التي لا تفضل إنساناً على أخيه الإنسان إلا بالتقوى والسداد والرشاد وتُقيم علاقتها على الأخّوة الدينية والتعاون بين المسلمين؛ وكانت آخر كلمات ودعني بها أنه يرجو أن يعتبره المسؤولون في المملكة جندياً صغيراً تحت راية رابطة العالم الإسلامي.
- وقد حقق هو والشعب الباكستاني ذلك، ولقد نمت الرابطة وحقق الله لها النجاح حتى أصبحت قوة إسلامية لا يستهان بها؛ ومن يراها على وضعها الحاضر الآن لا يمكن أن يتصور العقبات التي تخطتها في طريقها إلى الوضع الذي أصبحت عليه؛ وذلك بفضل السياسة الحكيمة التي اتبعتها المملكة في معالجة تمكين الرابطة والنهوض بها لتحقيق أهدافها.
- وقد استوجبت مكافحة الشيوعية العمل في روافد أخرى للحد من انتشارها ما أمكن ذلك، وكنت أحس بالسعادة في أعماق قلبي لتلك الجهود التي كنت أمثل دوراً جانبياً ومحدداً فيها، ولكنه رغم ذلك يعكس على نفسي قسطاً كبيراً من الغبطة بالنجاح الذي حققته القيادة العليا في نطاق ممتد إلى حدود لا تدرك؛ وغايات لو لم يتم تحقيقها لكان الوضع في العالم الإِسلامي غير ما هو عليه الآن.
- وبهذه المناسبة أحب أن أصرِّح بأن حكام المملكة السعودية شعوراً منهم بمسؤوليتهم النابعة من ولايتهم على البلاد المقدسة، وما تقتضيه من عناية ورعاية لشؤون المسلمين في بلادهم مهما تناءت في البعد، واختلاف التصور في الشؤون السياسية والاجتماعية.
إن حكام المملكة قد قاموا بتضحيات لا يمكن وضعها تحت حصر ووصف لإِنقاذ العالم الإسلامي من العثرات والأخطار التي تعرَّض لها؛ ولقد تميزت تلك التضحيات بالهدوء والسرية والعمل الجاد الذي يسابق الأخطار قبل وقوعها، ويقتحم وجودها إذا ما وجدت بتعقل نافذ حتى يبدد أثرها؛ ولست بهذا أشيد بأي مشاركة لي ذات قيمة تذكر في هذه الأعمال الجبارة ولكني كنت في مؤخرة الصفوف أراقب ما يحدث، فقد ظهرت آثار تلك المراقبة مسجلة في المواضيع المكتوبة والمنشورة في كتبي: "سياستنا وأهدافنا"، و "نظرات ومواقف" و "دورنا في زحمة الأحداث" ومن البديهي أن المراقب يستقيم له هذا الوصف لأدنى الحالات التي تدخل تحت معنى المراقبة حتى ولو كانت فضولية ومن أطراف بعيدة عن الصميم والجوهر.
- ورغم ذلك فإنني أعتقد أن ما سجل في فصول تلك الكتب وغير ذلك من المقالات التي لم يحوِها كتاب بعد، ونشرها في الصحف يشير إلى أبعاد التضحيات غير المعلنة التي قام بها حكام المملكة للعالم الإِسلامي؛ وأستطيع أن أقول إنه لولا تلك التضحيات لكنا نرى العالم الإِسلامي بعد كل التحركات الماكرة والمكايد التي حيكت لتبديده والقضاء عليه على غير الوضع الذي هو عليه الآن من العافية والسلامة والوجود المتماسك في الحد الذي هو عليه؛ وأن من حق تلك التضحيات والتحركات والمساعدات أن تعلن وأن تخضع للدراسات؛ لأن ذلك سيزود التاريخ الإسلامي بمادة غزيرة من الجهود المثمرة والكفاح المرير، ولقد استوجبت مني تلك التحركات لقاءات ذات شأن بملوك ورؤساء هم الملك حسين ملك الأردن، والملك الحسن الثاني ملك المغرب، ورئيس جمهورية السودان جعفر النميري، ورئيس جمهورية باكستان ورئيس جمهورية الصين الوطنية "شاناكا يشك" ورئيس جمهورية كوريا الجنوبية، ومن ضمن الحديث الذي جرى عند مقابلة هذا الأخير قوله: "إننا حكومة علمانية لا نقدم المساعدات للنشاطات الدينية أياً كانت ولكني حين علمت أنك وزير للشؤون الدينية في المملكة العربية السعودية ولما عرفته عنك من نشاط في مكافحة الشيوعية فإنني تقديراً لذلك قدمت هدية للمسلمين الكوريين أرضاً لإِقامة مسجد عليها". وحين ذهبت لرؤية الأرض الممنوحة وجدتها من روعة الموقع وجماله في وضع يقتضي الإِسراع في إقامة المسجد عليها بأسرع ما يمكن؛ كما علمت أنه توجد معارضة من بعض الجهات في الحكومة الكورية لإِنفاذ هذه المنحة فحرصت أن أضع حجر الأساس لبناء المسجد في حفل رسمي مشهود خلال أيام من مقابلة الرئيس؛ وقد تم بناء المسجد بتوفيق الله، ثم بالمساعدة المقدمة من حكومة المملكة العربية السعودية وأصبح من أعظم المساجد في بلدان الشرق الأقصى. وبعده نشطت حركة انتشار الإِسلام، ودخل الكوريون في الدين أفواجاً حتى أصبح تعداد المسلمين في كوريا، وانطلاق الكوريين في تعلم اللغة العربية والدراسات الإِسلامية من الأمور ذات الشأن العظيم.
- وقد قدم إلي رئيس حكومة الصين - بمرسوم رئاسي - الوشاح الأعظم من درجة النجم اللامع؛ كما قدم إلي رئيس أكاديمية الصين شهادة دكتوراة شرف في الفلسفة، وكذلك قدم إلي رئيس جمهورية كوريا وسام الاستحقاق للخدمة الدبلوماسية وميدالية ونج هوج، ومنحتني جامعة سيول كوريا شهادة دكتوراة فخرية في الأدب.. وبعد أن أخذت الأوضاع تستقر في الأوساط الخارجية من حولنا غيَّرت القيادة المتصرفة في المملكة مركزي من الخطوط التي انتهيت إليها فيما أسلفت؛ فتفضل الملك فيصل رحمه الله بإسناد وزارة الحج والأوقاف إلي، وبذلك وضعني في الخط الأمامي لمواجهة المسؤوليات العليا التي تمارسها المملكة في خدمة البلاد المقدسة وشعائرها ومشاعرها وحجاجها، ولقد تصورت أبعاد هذه المسؤولية ونتائجها وما يمكن أن تحققه من غايات كبرى تضعها حكومة المملكة في الذروة من مسؤولياتها تصورتها على النحو التالي:
(أ) الحج أكبر مؤتمر يجمع بين شعوب العالم تحت راية العقيدة لمعالجة شؤون الحياة العامة في الأوطان المحكومة بحكومات إسلامية وشؤون المسلمين الذين يعيشون تحت إدارة حكومات لا تدين بالإِسلام.
(ب) إن تنظيم الحج الديني يقضي على كل حاج يرغب في حضور المؤتمر أن يلتزم بإعداد روحه وجميع أموره إعداداً خاصاً يخضع للتنظيم العام الذي يمارسه كل حاج غيره في الزمن الذي يتقيد به جميع الحاضرين للحج.
(ج) أن يتبع الحاج التعليمات التي يتبعها جميع الحجاج في أداء المناسك الخاضعة للعقيدة. كما يحرص على اتباع التنظيمات الدينية التي يجب أن يخضع لها كل إنسان شارك في هذا المؤتمر حتى تتحقق عن طريقها وحدة المشاعر والأفكار والآراء والمصالح وتنصهر جميعها في ملتقى العقيدة ويحس كل عضو في هذا التجمع بأنه مشارك للآخرين في ذاتيتهم ومشاعرهم وأفكارهم وآرائهم ومصالحهم وما ينفعهم وما يضرهم، ويبرز الكيان الإِسلامي على الصعيد للمشاعر المقدسة على هيئة الإِخوة الإِيمانية التي تعنيها الآية الكريمة: إنما المؤمنون إخوة.
(د) وبعد ذلك يأتي دور المشاركة الفعّالة بين علماء المسلمين وعقلائهم وقادتهم وأصحاب السلطان الروحي والفكري والتوجيه ممن حضر هذا المؤتمر لتحقيـق قوله تعالى: ليشهدوا منافع لهم، وهذه هي الغاية من تشريع الحج.
- وبسبب تكرره في كل عام في الوقت المحدد له وفي كل هذه التصورات التي قدمت وجدت نفسي مسؤولاً عن وضع التنظيم والترتيب لكل هذه المهمات على نطاق العالم الإِسلامي؛ وكنت أصف هذا التصور بأن كل وزارة في أية حكومة من الحكومات تُقبِل بوجهها على حكومتها وشعبها لتحمل المسؤوليات التي تؤديها لهم. أما وزارة الحج فهي الوحيدة في جميع الحكومات التي تقبل بوجهها على جميع الشعوب الإِسلامية وحكوماتها المسلمة وغير المسلمة؛ وأن عليها أن تنسق تصرفاتها وممارستها لشؤونها على هذا النطاق؛ وأن تخضعها لروح العقيدة الإِسلامية ونظام الحكم الإسلامي الذي تمشي المملكة على أسسه وقواعده.
- ولقد أبعدت في هذه التصورات واستقرت بي الرغبة في الإِمعان في خوض آفاقها الرحبة الواسعة لأصل إلى الحد الذي تتحقق فيه الوحدة الإِسلامية في ظل العقيدة، وتتحقق معها منافع المسلمين في كل بقعة من الأرض، ولكنني بعد خمسة أعوام من الجهود المتصلة المضنية انتهيت إلى حقيقة واحدة في منتهى الوضوح والبساطة وهي:
- أنه يجب على كل مسلم أن يعرف القدر الذي يتناسب مع مركزه في حياته من تعاليم الدين الإِسلامي معرفة دقيقة، ويلتزم بتطبيقها على اعتبار أنها عقيدة ودين وليس هوى. وأن التزامه بها مراقب في السر والعلن من الخالق الذي يعلم من كل نفس خائنة الأعين وما تخفي الصدور. كما تبين لي بوضوح أن جميع الأنظمة المدنية والوضعية يمكن أن يستقيم أداؤها أداء آلياً صورياً وفي الحدود التي تبعد المكلف بها عن طائلة العقوبات التي يفرضها القانون؛ وتستقيم الحياة العامة بهذا القدر من الأداء باستثناء التعاليم الدينية؛ فإنها لا يستقيم أداؤها آلياً ولا صورياً بأي حال من الأحوال. فهي إما أن تؤدي بحقيقتها كاملة ووفق ما تقتضيه العقيدة أو تكون معطلة، ولو أديت على أكمل الصور التي يعتبر أداؤها عليها مقبولاً وذلك لأن التشريع الديني خاضع للقاعدة المحكمة الشاملة وهي: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىءٍ ما نوى" و الدين المعاملة.
- وبعد أن ظهرت لي هذه الحقائق وجدت نفسي أمام المسؤوليات التي أواجهها في تحقيق الغايات من تولي وزارة الحج أسير في طريق مسدود ما لم يتوفر الشرط الأساسي لإنجاح هذه المسؤوليات؛ وهو أن يعرف كل مسلم القدر الضروري من تعاليم الدين الذي يتناسب مع مركزه في الحياة العامة؛ ليس بتبعيته الجنسية ولكن بتبعيته الدينية، أي بوَصفه لبنة في البناء الإِسلامي العام؛ وهو الوصف الذي يخوله حضور هذا المؤتمر الديني ويجعله مدعواً لحضوره والمشاركة فيه. وأن تتحقق هذه المعرفة بطرق رسمية معترف بها، وإلاَّ فإنه لا يحق لأي شخص الحضور للحج دون ذلك، وتأكد لي أن تحقيق ذلك مستحيل مع الأوضاع التي يعيش عليها معظم شعوب العالم الإِسلامي من الجهل والفقر وعندئذٍ وجدت نفسي مضطراً للإِخلاد إلى الراحة من عناء طويل كابدته خلال خمسة أعوام؛ كانت مضنية من الجهد والمعاناة. هذا أيها السادة الأفاضل هو مجمل ما في صفحات سفر حياة حسن كتبي قد قرأتها عليكم في أمانة وصدق وإيجاز وأشكركم على تفضلكم بالإِصغاء إلى قراءتها ولو لم تستحق منكم كل هذه المعاناة وشكراً.
 
طباعة

تعليق

 القراءات :1439  التعليقات :0
 

الصفحة الأولى الصفحة السابقة
صفحة 6 من 149
الصفحة التالية الصفحة الأخيرة

من ألبوم الصور

من أمسيات هذا الموسم

صاحبة السمو الملكي الأميرة لولوة الفيصل بن عبد العزيز

نائبة رئيس مجلس مؤسسي ومجلس أمناء جامعة عفت، متحدثة رئيسية عن الجامعة، كما يشرف الحفل صاحب السمو الملكي الأمير عمرو الفيصل